للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَإِشْعَارُ النَّبِيِّ كَانَ لِصِيَانَةِ الهَدْيِ؛ لِأَنَّ المُشْرِكِينَ لَا يَمْتَنِعُونَ عَنْ تَعَرُّضِهِ إِلَّا بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَرِهَ إِشْعَارَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِيهِ عَلَى وَجْهٍ يَخَافُ مِنهُ

فإن قيل: ليس هذا في معنى المُثلة؛ بل هو مما أبيح فعله كالكي وشق أذن الحيوان؛ ليكون علامة، وكالختان والحجامة في الآدمي.

قلنا: الكي وشق الأذن ليس بمثلة بخلاف الإشعار بالرمح والشفرة، حتى لو كان الإشعار بمبضع ونحوه كما ذكروه لا يكون مكروها عنده أصلا كالفصد والحجامة؛ إذ هو بالرمح يخشى منه السراية إلى الهلاك بخلاف الكي في الجلد؛ فإنه لا يسيل الدم، وكذا شق الأذن.

أو لأن في الكي والشق والحجامة ضرورة، والإشعار يغني عنه التقليد فلا يكون ضرورة.

وأما الختان؛ فإنه فرض عند الشافعي وأحمد. وعندنا، ومالك: سنة مؤكدة، وفارق بين الإسلام والكفر حتى لو اجتمع قوم على تركه قوتلوا عليه، ولا كذلك الإشعار، فإن الناس قد تركوه عن آخرهم ولم ينكر على ذلك أحد. وعن ابن عباس وعائشة أنهما رخصا في تركه، ولا يظن بهما الترخص في ترك سنة النبي ، مع أنه فعله مرة.

وفي جامع الإسبيجابي: وإشعاره قبل النهي عن المثلة مع أن معنى قول الراوي أن النبي أشعر بدنته أعلمها بعلامة، ويمكن أن ذلك سوى الجرح (١).

قوله: (وإشعار النبي جواب عما روياه -يعني: على تقدير ثبوته - أشعر النبي ؛ لصيانة الهدي إلى آخره، أي: بالإشعار وكان فيه صونها عن التعرض.

قوله: (وقيل: إن أبا حنيفة) قال أبو جعفر الطحاوي: ما كره أبو حنيفة أصل الإشعار وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الآثار، وإنما كره إشعار أهل زمانه؛ لأنه رآهم يبالغون في ذلك على وجه يخاف منه الهلاك بسريانه


(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٣١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>