حد الكثرة، وهاهنا وجوبها لرعاية الجمع فيفوت إمكان الجمع بفوات وقت العشاء، فلو قلنا بها بعد الوقت كان ذلك من باب العلم وهو لا يوجبه. وفيه تأمل (١).
فإن قيل: قوله ﵇: «لَا صَلاةَ إلا بفاتحة الكتاب»(٢) لا يوجب الإعادة لو صلى بدونها ناسيًا أو عامدًا، وهاهنا وجبت ما دام الوقت باقيًا.
قلنا: خبر الواحد يوجب العمل على وجه لا يؤدي إلى إبطال الكتاب، ثم هاهنا الإعادة من باب العلم ما دام الوقت باقيًا لما أنه صلى الوقت الثابت بخبر الواحد، وقبل الوقت لا يجوز؛ فتجب الإعادة كما في مسألة الترتيب.
وأما خبر الفاتحة فقد عملنا به كما يليق بحاله حيث قلنا بوجوب سجدتي السهو إذا تركها ساهيًا، وبالإثم إذا تركها عامدًا، أما لو قلنا بالإعادة كان خبر الواحد مبطلاً لإطلاق قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل ٢٠] وذلك لا يجوز.
فإن قيل: ففي حديث أسامة أيضًا القول بوجوب الإعادة في الوقت موجب لإبطال قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣].
قلنا: الإعادة فيه لنوع فساد اقتضاه خبر الواحد؛ لأن الفساد أقوى فلو قلنا بها بعد الوقت لكنا قائلين بالفساد القوي؛ فحينئذ كنا مبطلين موجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٠٣] ولا نقول به، ومثل هذا جائز؛ ألا ترى أنهم قالوا جميعًا في طواف المحدث: أنه [يعيد](٣) عملا بخبر الواحد ما دام يمكن، وأن إطلاق قوله: ﴿وَلْيَطَوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يوجب الجواز، فإذا رجع؛ لم تلزمه الإعادة؛ لأنا لو أمرنا بذلك حتما لكان بسبب ما أدى وهو من باب العلم وخبر الواحد لا يوجبه.
وعن هذا خرج الجواب عن قول أبي يوسف: أن من صلى المغرب في
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٢٣٢). (٢) أخرجه البخاري (١/ ١٥١ رقم ٧٥٦) ومسلم (١/ ٢٩٥ رقم ٣٩٤). عن عبادة بن الصامت ﵁. (٣) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثالثة.