للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كَمَا فِي الجَمْعِ الأَوَّلِ بِعَرَفَةَ، إِلَّا أَنَّا اكْتَفَيْنَا بِإِعَادَةِ الإِقَامَةِ، لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى المَغْرِبَ بِمُزْدَلِفَةَ ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ أَفْرَدَ الإِقَامَةَ لِلْعِشَاءِ»، (وَلَا تُشْتَرَطُ الجَمَاعَةُ لِهَذَا الجَمْعِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ المَغْرِبَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ وَقْتِهَا، بِخِلَافِ

أَنَّ تمسكه بفعل النبي مشكل (١)؛ لأنه قد ذكر قبل هذا أنه جمع بأذان وإقامة واحدة، واحتج به على زفر في إفراد الإقامة؛ فكان ذلك هو الثابت الصحيح عنده ضرورة، وبعد ثبوته لا يمكنه التمسك بما ذكره بعد؛ لأنه لم يحج إلا مرة واحدة، فإذا لا يكون كلاهما، ولا يمكن حمل كل واحد من الروايتين على حالة حتى يتمسك بأحدهما في حال عدم الفصل كما هو المعروف في دفع التعارض؛ لأن الحمل إنما يستقيم إذا تصور الجمع وهاهنا غير ممكن؛ لأنه حكاية فعل ولا عموم له، فإذا ثبت أحدهما انتفى الآخر لا محالة؛ فلا سبيل فيه إلى الترجيح، وذلك في رواية جابر؛ لأنه ظهر عمل الصحابة على وفاق روايته مثل عمر وعلي وابن مسعود فإنهم يجمعون بأذان وإقامة واحدة.

ذكر شيخ الإسلام: وإذا ترجحت هذه الرواية انتفت الأخرى وحملت على سهو الراوي، فلا يصح التمسك به لمن يثبت ترجيحه عنده؛ بل الصحيح أَنَّ هذا مروي عن عمر وابنه كما ذكرنا دون النبي فحينئذ يصلح التمسك به (٢).

قوله: (ولا تشترط الجماعة لهذا الجمع عند أبي حنيفة) وهو إجماع؛ لأن صلاة العشاء مفعولة في وقتها وصلاة المغرب مؤخرة عن وقتها، ولو أخر بعذر آخر جاز القضاء منفردًا فكذا هاهنا، بخلاف الصلاة بعرفة فإن العصر مقدم على وقته، فلا يصح التقدم إلا على الوجه الذي ورد به الشرع، ولكن الأفضل أن يصلي مع الإمام بالجماعة؛ لأن الأداء بها أولى. كذا في الإيضاح (٣).


(١) أي: "أنه أذن وأقام، ثم صلى المغرب بمزدلفة، وصلى بعدها ركعتين ثم تعشى ثم أفرد الإقامة للعشاء" وقد أخرجه البخاري موقوفا على ابن مسعود (٢/ ١٦٤ رقم ١٦٧٥). وقال الحافظ: لم أجده مرفوعًا صريحًا وإنما هو عند البخاري من عمل ابن مسعود. الدراية (٢/٢٣).
(٢) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٢٣٠).
(٣) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٢/٢٧)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (٢/ ٤٧٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>