قلنا: الفرق أن الحج عبادة لا يتأدى بدون المال غالبًا، ولا كذلك الصلاة والصوم، ولا يملك العبد المال وإن ملك فلم يجب؛ لعدم ما يتوسل به، وصار كالجهاد من حيث إنه لا يحصل بدون المال ظاهرًا بخلاف الفقير، فإن اشتراط الزاد والراحلة في حقه ليسير لا لإثبات أهلية الوجوب، فكان سقوط أداء الحج عنه نظير سقوط أداء الصوم وصلاة الجمعة عن المسافر من حيث إن السقوط في كل واحد منهما للترفيه، ولهذا يجب الحج على الفقير بمكة ولم يجب على العبيد بمكة.
والفرق الثاني: أن حق المولى في الحج يفوت في مدة طويلة، فقدم حق العبد على حق الشرع؛ لفقره واستغناء الشرع، فلم يستثن هذه القدرة على مولاه بخلاف الصلاة والصوم؛ فإنه لا يخرج مولاه باستثنائهما، فكان العبد في حقهما متبقي على أصل الحرية، وهذا؛ لأن نفس العبد ملك المولى، فكان ما يحصل من منافع بدنه أيضًا ملكه تبعًا لنفسه إلا ما استثنى من القُرَبِ البدنية التي لا يلزم باستثنائه كبير جرح، وهي الصلاة والصوم.
ثم الإسلام من شروط وجوب أداء الحج إجماعًا، وأن الكفار مخاطبين بالشرائع عند الشافعي (١)، وأحمد (٢)؛ لأن تقدم الإسلام شرط لجوازه، وهو شرط لصحة جميع العبادات؛ لأن الكافر لا يتأهل لأدائها (٣).
ولهذا لو وجد الكافر الاستطاعة حالة الكفر ثم أسلم؛ لا يجب عليه الحج بتلك الاستطاعة إجماعًا.
ولو أسلم الكافر الأصلي؛ لا يجب عليه قضاء العبادات في زمان الكفر.
أما لو ارتد مسلم ووجدت الاستطاعة في حقه حال ردته؛ يجب عليه بعد ما أسلم وملك الاستطاعة أن يحج عند الشافعي (٤)، ولو حج المسلم ثم ارتد ثم أسلم لم يحج ثانيًا عنده.