فهل نقل أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا، فهل تقولون يجوز للمكي أن يقصر الصلاة في مكة بعد فراغه من النسك؛ لأن النبي ﷺ لم ينقل أنه أمرهم بالإتمام؟
الأمر الثالث: أقام النبي ﷺ في مكة عام الفتح تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، وأهل مكة يصلون خلفه، وهم حديثو عهد بكفر، ولم يصح أن النبي ﷺ أمرهم بالإتمام، ولم ينقل أنهم أتموا.
وكذلك صلى النبي ﷺ أربعة أيام في مكة عام حجة الوداع قبل خروجه لمنى، ولم يصح في السنة أن النبي ﷺ أمر أهل مكة بالإتمام. وما ورد في ذلك فمداره على ابن جدعان، وهو ضعيف.
فإن قلتم: لعل النبي ﷺ لم يأمرهم؛ لأنه سبق أن بيَّن هذا الحكم لهم، واكتفى به، أو أن النبي ﷺ أمرهم ولم ينقل.
قيل: ما كان جوابًا لكم كان جوابًا عن صلاة المكي خلفه في عرفة ومزدلفة، فلعله لم يأمرهم بالإتمام يوم عرفة اكتفاء بأمر سابق، أو أنه أمرهم ولم ينقل، فما دام أن القصر في المشاعر علته السفر، فلا فرق بين المحرم والحلال، كلاهما لا يقصر إلا في مسافة تصح أن تكون سفرًا.
وهذا من أوضح الأدلة على أن عدم النقل ليس دائمًا يكون حجة، فأحيانًا لا يعدُّ نقلًا للعدم، ولم يأت عن الشارع فرق بين جمعه وقصره بعرفة ومزدلفة قبل فراغه من النسك، وبين جمعه وقصره بالأبطح بعد الفراغ من النسك، وقبل طواف الوداع، والأصل أن السبب واحد فيهما، وفي كلها قد صلى خلفه من لا يشرع له القصر.
فإذا لم يثبت أن أهل عرفة قد قصروا خلفه نقلًا بالسند الصحيح، ولم يثبت أن النبي ﷺ أمرهم بالقصر، فالأصل أنهم يتمون؛ لأنهم مقيمون، وما يصدق على