للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

في المدينة أربعًا، وصلى العصر في ذي الحليفة ركعتين؛ لأن منتهى سفره مكة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك.

والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر … وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد» (١).

ونوقش هذا:

لا يختلف الأئمة الأربعة أن علة القصر في عرفة وفي غيرها من المشاعر هو السفر، ولا دخل للقصر في أحكام النسك، وإن اختلفوا في علة الجمع في المشاعر.

وعمدة الاحتجاج في قصر مكة خلف النبي في عرفة ومزدلفة ومنى ليس لوجود نص يأمرهم بالقصر، ولا لوجود نص يثبت أنهم قصروا خلفه، وإنما عمدتهم في ذلك أنه لو أمرهم بالإتمام لنقل، فالدليل هذا عدمي، ودلالته ضعيفة لأمور منها:

الأول: صلى خلف النبي في عرفة العرفي، وصلى خلفه في مزدلفة المزدلفي، وصلى أهل منى خلفه في منى، وهؤلاء غير مسافرين في أماكن إقامتهم، فلا يمكن لهم أن يقصروا، فهل نقل أنه أمرهم بالإتمام، أو نقل أنهم أتموا؟

فلو استعملنا طريقتكم في الاستدلال لقلنا: يقصر العرفي في عرفة، ويقصر المزدلفي في مزدلفة، ويقصر المنوي في منى؛ لأن النبي لو أمرهم بالإتمام لنقل؛ لتوافر الدواعي على نقله، ولم ينقل.

الأمر الثاني: صلى النبي الظهر والعصر قصرًا وجمعًا بالأبطح وذلك بعد نفوره من منى، وقبل طواف الوداع كما في حديث أبي جحيفة في الصحيحين، وقد صلى الناس خلفه، وفيهم المكي وغير المكي، وهذا الجمع والقصر بعد فراغ المكي من نسكه؛ لأنه لا وداع عليهم، فلا علاقة للنسك بهذا الجمع والقصر (٢).


(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٤٤).
(٢) روى البخاري (٣٥٦٦)، ومسلم (٢٥١ - ٥٠٣)، واللفظ للأول من طريق مالك بن مغول،
قال: سمعت عون بن أبي جحيفة، ذكر عن أبيه قال: دفعت إلى النبي ، وهو بالأبطح في قبة كان بالهاجرة خرج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله فوقع الناس عليه يأخذون منه ثم دخل، فأخرج العنزة، وخرج رسول الله كأني أنظر إلى وبيص ساقيه، فركز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والمرأة.

<<  <  ج: ص:  >  >>