للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

بخلافه لمن تبين السنة وتدبرها؛ فإن من تأمل الأحاديث في حجة الوداع وسياقها علم علمًا يقينًا أن الذين كانوا مع النبي من أهل مكة وغيرهم صلوا بصلاته قصرًا وجمعًا، ولم يفعلوا خلاف ذلك.

والصحيح أنه لم يجمع بعرفة لمجرد السفر … وأما القصر فلا ريب أنه من خصائص السفر، ولا تعلق له بالنسك، ولا مسوغ لقصر أهل مكة بعرفة وغيرها إلا أنهم بسفر، وعرفة عن المسجد بريد.

وأي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم؟» (١).

فهذا النص من شيخ الإسلام فيه دلالتان:

الدلالة الأولى: أن القول بالتحديد بالبريد ينقض القول بأن التحديد بالمسافة لا أصل له في الشرع.

الدلالة الثانية: أن قوله: أي فرق بين سفر أهل مكة إلى عرفة، وبين سفر سائر المسلمين إلى قدر ذلك من بلادهم إعمال بالقياس.

والأخذ بالقياس يبطل القول بالتحديد بالعرف؛ لأن مسافة السفر إذا كانت تعرف بالقياس بطل الرد إلى العرف، كما شرحت ذلك سابقًا بأن المسافة قد تكون واحدة إلى مكانين مختلفين، ويعد في عرف الناس الذهاب إلى أحدهما سفرًا دون الآخر؛ لاختلاف العرف، ولأن العرف يختلف باختلاف الأماكن واختلاف الأزمان، بخلاف الإلحاق بالقياس فهو مطرد في كل مسافة بصرف النظر عن العرف، فإذا أراد شيخ الإسلام القياس على المسافة بين مكة وبين عرفة فهذا قول منه بالتحديد، وليس قولًا بتحكيم العرف.

وقد قال شيخ الإسلام: «لو كانت المسافة محدودة لكان حدها بالبريد أجود؛ لكن الصواب أن السفر ليس محددًا بمسافة؛ بل يختلف فيكون مسافرًا في مسافة بريد، وقد يقطع أكثر من ذلك ولا يكون مسافرًا» (٢).


(١) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٤٤).
(٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ٤٧، ٤٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>