للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وهذا رجوع من شيخ الإسلام من وصفه القول بالتحديد بالبريد بأنه هو الصواب الذي لا يجوز القول بخلافه.

ولا يمنع أن يكون لشيخ الإسلام في المسألة قولان، أحدهما: تحكيم العرف.

والآخر: التحديد بالبريد، إلا أن الأول لا أعرف قائلًا به بخلاف الثاني، فهو وإن قيل به إلا أنه مخالف لما عليه الأئمة الأربعة، ومخالف لما صح عن ابن عمر وابن عباس.

وروى مالك، عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة (١).

وعلى كل حال فالتحديد بالبريد، ورد في حديث أبي هريرة، وتفرد بلفظ (البريد) سهيل بن أبي صالح، عن سعيد المقبري، مخالفًا للإمام مالك وابن أبي ذئب، والليث بن سعد، ويحيى بن أبي كثير، فقد رووه عن سعيد المقبري، وقيدوه بالسفر يومًا وليلة، فهو حرف شاذ، وسوف يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.

وقول شيخ الإسلام: عرفة من المسجد بريد، والسؤال: أتقاس مسافة السفر من سكناه أم من مفارقة العمران؟

الذي يظهر الثاني؛ لأنه إنما يكون مسافرًا حيث يحق له الترخص في أحكام السفر، والعكس صحيح، فما دام ممنوعًا من الترخص في أحكام السفر فهو مقيم، وقد صلى النبي الظهر في المدينة أربع ركعات، وصلى في ذي الحليفة العصر ركعتين، فلم يأخذ بأحكام السفر حتى فارق المدينة، وابتداء المسافة مقيسة على انتهائها، فهو في الرجوع من السفر ينقطع سفره من حين وصوله إلى عمران القرية، فكذلك لا يكون مسافرًا إلا حين خروجه من عمران القرية؛ ولأن السفر من السفور، وهو الظهور، فلا يصح احتساب المسافة من المسجد إلى عرفة.

ولا يعارض فعل النبي في حجة الوداع ما رواه أنس أنه كان إذا جهز راحلته للسفر أفطر قبل أن يشرع في السفر، وينسب ذلك إلى السنة، فإن حديث حجة جابر في حجة الوداع أشهر وأقوى، وهو موافق للقياس، وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى


(١) رواه مالك في الموطأ رواية يحيى (١/ ١٤٨)، ورواية أبي مصعب الزهري (٣٨٤)، ورواية محمد بن الحسن (١٩٣).
ومن طريق مالك رواه الشافعي في الأم (١/ ٢١٢)، وعبد الرزاق في المصنف، ط: التأصيل (٤٤٢٥)، والبيهقي في السنن (٣/ ١٩٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>