للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فإذا أطلق التحديد باليوم دون وصفه بالتام، قدر التحديد فيه بمسيرة يومين نهاريين:

وإذا أطلق التحديد باليوم التام، فيقصد به يومًا وليلة، كما جاء ذلك نصًّا في حديث أبي هريرة المرفوع، وأثر ابن عمر وابن عباس، وهو يعدل سير اليومين من النهار، وكلاهما يعدلان أربعة برد.

وهذا ليس فهمًا مني، بل هو ما نقله الطحاوي من الحنفية وابن عبد البر والقاضي عبد الوهاب من المالكية والإمام أحمد، وتقدم النقل عنهم.

والأصح أن عمل الصحابة يقيد المطلق ويخصص العام، ولم يختلف الصحابة من تقدير السفر إما بالزمن أو بالمسافة، وإن اختلفوا في تقدير ذلك.

والقول بأن المقادير توقيفية، لا سبيل إلى الاجتهاد فيها، هذا صحيح، فالتقدير إذا كان بابه التوقيف، وصح التقدير عن الصحابة دل هذا على أنهم أخذوه من النبي ؛ لأن الصحابي من العلم والديانة بحيث لا يقول برأيه في شأن سبيله التوقيف، فكان له حكم الرفع، خاصة أن هذا التقدير قد توافق عليه ابن عباس مع ابن عمر، وحسبك بهما علمًا وفقهًا، فكيف إذا كان ما ورد عن ابن عباس وابن عمر من التقييد موافقًا لما ورد في السنة المتفق على صحتها بمسيرة يوم وليلة كما سبق بيانه.

واختلاف أقوال الصحابة في تحديد مسافة السفر، لا يسقطها كلها، وننتقل عنها إلى قولٍ ما قال به أحد منهم، فكل أقوالهم على اختلافها ترجع إلى التحديد إما بالمسافة وإما بالزمن، والثاني وسيلة لمعرفة الأول، وليس شيء منها يقول بالتحديد بالعرف، والترجيح بين أقوالهم بالنظر إلى الأصح منها، فالحق لا يخرج عن أحدها، وليس في تركها كلها بدعوى اختلافهم، وانتحال قول لم يقله أحد منهم، ولا عرف عن التابعين، ولا عن الأئمة الأربعة.

وشيخ الإسلام لم يستبعد القول بالتحديد في أحد قوليه، حيث قوى القول بالتحديد بالبريد مستدلًّا بقصر أهل مكة في عرفة.

يقول شيخ الإسلام: « .... كان بعضهم -يعني طائفة من علماء أصحاب أحمد- يقصر الصلاة في مسيرة بريد، وهذا هو الصواب الذي لا يجوز القول

<<  <  ج: ص:  >  >>