للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

والقول بأن العرب وقت التشريع لا يعرفون مساحة الأرض غير صحيح، فكيف دخل إلى لغتهم لفظ البريد والفرسخ، والميل، وكيف نقل التابعون القصر بالمساحة عن ابن عباس وابن عمر.

وعلى التسليم بأن عامة العرب إلا الخواص لا يعرفون مساحة الأرض؛ فإن هذا على بعده لا يقدح في الحكم، فليس كل مسافر يعرف علامات القبلة بالنجوم، والناس يقلد بعضهم بعضًا في ذلك، ولا يقدح ذلك في التشريع، وكثير من أحكام الشريعة لا يعرفها عوام الناس، ويقلدون فيها أهل العلم، وهذا الحكم من جملتها.

وروى مالك في الموطأ عن نافع أنه كان يسافر مع عبد الله بن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، فكيف عرف نافع المساحة، وليس معه آلة يمسح بها الأرض؟

فإذا شرع للناس القصر والفطر في السفر لزمهم معرفة ما يكون به الرجل مسافرًا، كما يلزمهم معرفة أحكام الحج لمن وجب عليه الحج، ومعرفة مقدار الزكاة والنصاب لمن كان من أهلها، وإن كان الأصل في معرفة الأحكام بأدلتها لا يعرفه إلا طلبة العلم، وكما يعرف الناس طول القماش بالذراع يعرف الناس طول مساحة الأرض بسير الإبل والبغال والخيل والراجلة، وهو تقريب لا تحديد.

الوجه الخامس:

القول بأن نصوص السفر مطلقة، وما أطلقه الشارع عمل بمطلق مسمَّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده غير صحيح، بل ما أطلق من نصوص السفر محمولة على المقيَّد منها، وقد جاء التقييد بالزمن، وبالمسافة.

فمن التقييد بالزمن ما جاء في حديث أبي هريرة قال: قال النبي : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة. هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم بنحوه (١).

ولم يأت في النصوص المرفوعة الصحيحة إطلاق السفر على ما هو أقل من يوم وليلة، وترجم له الإمام البخاري في صحيحه: باب في كم يَقْصُر الصلاة؟ فقال


(١) البخاري (١٠٨٨) ومسلم (٤٢٠ - ١٣٣٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>