وذكر وفيه: … لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرم منها أو زوجها. ورواه البخاري بنحوه (١).
فالنبي ﷺ لم يرد تحديد ما يقع عليه السفر، بل أطلقه على ثلاثة أيام، وعلى يومين، وعلى يوم وليلة (٢).
قال البيهقي:«وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن الرسول ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثًا بغير محرم؟ فقال: لا. وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم فقال: لا. ويومًا، فقال: لا، فأدى كل واحد منهم ما حفظ، ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدًّا للسفر»(٣).
وقال أبو العباس القرطبي:«كل ما دون الثلاث داخل في الثلاث، فيصح أن يعين بعضها، ويحكم عليها بحكم جميعها، فينص تارة على الثلاث، وتارة على أقل منها؛ لأنه داخل فيها»(٤).
ويرد على هذا القول:
اختلاف هذه الأحاديث لا تمنع من الاستدلال بها على تحديد السفر بالزمن، ولكن ليس على تخريج الحنفية، بل على تخريج قول الجمهور.
فحديث ابن عباس:(لا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم)، هذا الحديث مطلق، لم يبين فيه الزمن الذي يصدق عليه أنه سفر، ولما كان معلومًا أن مجرد خروج المرأة من البلد لا يسمى سفرًا شرعًا، دل على جواز خروج المرأة بلا محرم بما لا يصدق عليه أنه سفر إذا خلا من فتنة، أو من خلوة محرمة، وكما كان النبي ﷺ يخرج إلى قباء، وإلى العوالي ولم يكن يقصر.
فصار في حديث ابن عباس إطلاق من حيث بيان مسافة السفر، فيرد إلى الأحاديث المقيدة، وهي قاعدة شرعية أصولية صحيحة: أن المطلق يرد إلى المقيد، والمجمل إلى المبين، والمتشابه إلى المحكم، وهذه طريقة الراسخين في العلم.
(١) مسلم (٤١٥ - ٨٢٧)، صحيح البخاري بنحوه (١١٨٩). (٢) انظر: المجموع (٤/ ٣٣٠). (٣) السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ١٩٩). (٤) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٣/ ٤٥١).