للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الوجه السادس:

أنه لا حاجة لنفي السفر، وابن عباس قد قال: بأنه جمع النبي في المدينة، فتعين أن يكون النفي للمطر.

ويجاب بأكثر من جواب، منها:

الأول: أن الإمام مالكًا، وهو أجل من روى هذا الحديث عن أبي الزبير لم يذكر فيه لفظ: (المدينة)، وقد ذكر غيره لفظ المدينة ممن روى الحديث، فهو محفوظ.

الثاني: أن ألفاظ الصحابة ليست كألفاظ المعصوم ، فالنصوص النبوية منطوقها ومفهومها مراد في الدلالة، وهي ألفاظ محكمة؛ لأنها عن معصوم، وأما ألفاظ الصحابة، فليست في الإحكام كلفظ النبي ، ومفهومها ليس بحجة.

الثالث: أن التكرار لا يمكن أن يكون علة يُرَدُّ به نفي (السفر)، فقد يراد بالتكرار توكيد الحضر، والتكرار للتوكيد لا تنكره العرب. قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز (١).

الرابع: لما كان الجمع مستقرًا ثبوته في السفر، وكان ابن عباس يخطب في الحضر، وخشي ابن عباس من ربط الجمع بأسباب القصر، وأسباب القصر: هي السفر والخوف، ولا ثالث لهما، فأراد ابن عباس أن يبين أن النبي جمع في المدينة من غير أسباب القصر، ليثبت أنه جمع في الحضر، ولا يلزم من نفي أسباب الجمع في السفر نفي غيرهما من الأسباب.

الخامس: أن يكون ابن عباس أراد من نفي الخوف والسفر إثبات أن النبي جمع بلا سبب، وقد ذكرت ستة وجوه لترجيح هذا الاحتمال، منها: أن ابن عباس لم يذكر سبب الجمع في جميع طرق الحديث مع أهميته لو كان هناك سبب، ومنها اقتصاره على نفي أسبابه، ومنها ترك أصحابه سؤاله عن سبب الجمع؛ ولا تفسير لهذا إلا لأنهم فهموا أن الجمع بلا سبب، ومنها أن جابر بن زيد راوي الحديث عن ابن عباس كان يجمع بلا سبب، وإنما أخذ ذلك بما فهمه من حديث ابن عباس.


(١) الهداية إلى بلوغ النهاية (٤/ ٢٤٦٣)، زاد المسير (٤/ ٢٠٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>