ولأن ابن عباس جمع من أجل إكمال الخطبة، وإكمالها ليس من أسباب الجمع باتفاق من يقول: إن الجمع لا يجوز بلا سبب.
واتفاق الرواة على عدم نقل موضوع خطبة ابن عباس يدل على أنها موعظة عامة، وليست في أمر نجزم معه أن هناك ضرورة أملت على ابن عباس المضي في الخطبة لتحقيق مصلحة ضرورية، أو دفع مفسدة واقعة، فليست خطبة ابن عباس بأولى من خطبة النبي ﷺ، وقد خطب النبي ﷺ من بعد صلاة الفجر إلى غروب الشمس، فكان ﵊ إذا حضرت الصلاة نزل النبي ﷺ، فصلى، ثم أكمل خطبته، كما في صحيح مسلم، حتى قال الصحابي: فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا (١).
ولم يجمع النبي ﷺ بين الظهرين من أجل إكمال خطبته، مع أن خطبته أطول، والمشقة على الناس أعظم، وموضوعها أهم؛ لتعلقها بالغيبيات،، والله أعلم.
وهذا الجواب كررته؛ لأن الجواب الواحد قد يكون جوابًا لأكثر من سؤال.
وجه ترجيح رواية أبي الزبير المكي، (من غير خوف ولا سفر):
ذهب إلى ترجيح رواية أبي الزبير جماعة من أهل الحديث، منهم البزار، وابن خزيمة، والبيهقي، وابن عبد البر والنووي.
قال البزار: «وهذا الحديث زاد فيه حبيب: (من غير خوف ولا مطر)، وغيره لا يذكر المطر … ».
وقال ابن خزيمة:«فأما ما روى العراقيون: أن النبي ﷺ جمع بالمدينة في غير خوف ولا مطر، فهو غلط وسهو، وخلاف قول أهل الصلاة جميعًا»(٢).
(١) رواه مسلم في صحيحه (٢٥ - ٢٨٩٢) من طريق أبي عاصم قال حجاج: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عزرة بن ثابت، أخبرنا علباء بن أحمر، حدثني أبو زيد، -يعني: عمرو بن أخطب- قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر، وصعد المنبر فخطبنا، حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا. (٢) صحيح ابن خزيمة (٢/ ٨٥).