للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وأي شغل أصاب الناس حتى كان النبي -بأبي هو وأمي- وهو أعلى رجل في الدولة يشارك في نقل التراب، وفي حفر الخندق.

(ح-٣٤٠٧) وروى البخاري من طريق سعيد بن ميناء قال:

سمعت جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبي خمصًا شديدًا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله خمصًا شديدًا … من حديث طويل (١).

فإذا كان هذا الشغل لم يسوغ الجمع، فأي شغل بعده يمكن أن يبرر الجمع؟

وإذا لم يجمع المسلمون في مثل ذلك اليوم والذي اجتمع فيه العمل، والجوع، والخوف، وكانوا يسارعون الوقت قبل أن يداهمهم العدو لم يجمع المسلم لما هو دونه من الحاجات الخاصة أو العامة، أليس هذا الاستدلال أقوى من القول بأنه إذا جمع لما دون الخوف والسفر دل على جواز الجمع للمطر بالأولوية؟

ولقد كان الأنصار أهل حرثٍ ونخل، يعملون في مزارعهم، ويأتيهم مواسم الحصاد والجذاذ، كل عام مرة أو مرتين، ثم لا ينقل عنهم الجمع.

والسؤال المشروع: أيكون الشغل من أسباب الجمع، وهو لا ينفك عن الحياة جماعة وأفرادًا، ثم لا ينقل الجمع من فعل النبي ، ولا من فعل أصحابه، ولا من فعل التابعين إلا ما كان من حديث ابن عباس -وقد وقفتَ على مواقف العلماء منه، وابن عباس لم يذكر في جميع طرق الحديث سبب الجمع؟

أينقل الصحابة جمع النبي في أسفاره، والسفر عارض في حياة الحضري، ويتكرر النقل في بيان صفته، ومكانه كالأبطح، وأثناء استراحته في طريقه إلى تبوك، وفي عرفة ومزدلفة، وهل كان من جمع التقديم أو من التأخير، وهل كان في حال نزوله أو كان في حال جَدَّ به السير، ثم إذا جاءت الإقامة في الحضر، وهي الأصل في حياة النبي وأصحابه، والتي امتدت في المدينة عشر سنوات، ويتعرض فيها المجتمع لأسباب الجمع المتكررة من مطر، وبرَد، ورياح، ووحل، وقَرٍّ وحرٍّ شديدين كما هو معهود في


(١) صحيح البخاري (٤١٠٢)، ومسلم (١٤١ - ٢٠٣٩).

<<  <  ج: ص:  >  >>