للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

جامعة بين الفرع (الذي هو الجمع لمجرد إكمال الموعظة) والأصل المقيس عليه (وهو الجمع الذي وقع من النبي في المدينة).

ولو أن ابن عباس صرح بسبب جمع النبي في المدينة لأمكن النظر بين سبب الجمع في الحديث المرفوع وبين سبب الجمع في الأثر الموقوف.

وإذا احتج ابن عباس على صحة جمعه بنفي أسباب الجمع في المدينة، فالظاهر أنه فعل ذلك ليدلل على صحة الجمع بلا سبب، وليس على إثبات سبب الجمع. وهو الحرج، وإليك بيان الأدلة على ما أقول.

الدليل على أن ابن عباس لم يقصد التعليل بقوله: (أراد ألا يحرج أمته):

الدليل الأول:

أن نفي الحرج يعني نفي الإثم عن الفعل، ولا يلزم من نفي الإثم قصد التعليل.

لأن أحكام الشريعة كلها قد نفى الله عنها الحرج، ولا يلزم منه قصد التعليل، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والجمع فرد من أفراد العموم.

وقد استخدم النبي نفي الحرج على الفعل دليلًا على نفي الإثم وليس تعليلًا للحكم،

(ح-٣٤٠٥) لما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا، وفيه: … قال: ما سئل النبي عن شيء قدم ولا أخر -يعني: من أعمال يوم النحر- إلا قال: افعل ولا حرج (١).

فنفي الحرج هنا ليس علةَ الحكم، بل دليل السعة والجواز بنفي الإثم عنه.

وكما كان الغسل والوضوء بالماء، وبالتيمم بدلًا عنهما من نفي إرادة الحرج، ونفي إرادة الحرج أبلغ من نفي الحرج نفسهِ، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وليس نفي الحرج هنا من باب التعليل، بدليل أنه


(١) رواه البخاري (٨٣)، ومسلم (٣٢٧ - ١٣٠٦)، من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: اذبح ولا حرج. فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: ارم ولا حرج. فما سئل النبي عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج.

<<  <  ج: ص:  >  >>