إن كنت تقصد الجمع الوقتي فهذا لا يجوز بالإجماع، وليس مانعًا من حمل حديث ابن عباس على الجمع الصوري.
وإن كنت تقصد الجمع الفعلي، فهذا جائز خاصة عند من يرى جواز تأخير العصر إلى ما قبل غروب الشمس، وتأخير العشاء إلى ما قبل طلوع الفجر لغير المعذور.
أما من يرى أن وقت العصر يخرج باصفرار الشمس، ووقت العشاء يخرج بانتصاف الليل، فيتعذر الجمع الفعلي بينهما؛ كما يتعذر الجمع بين الصبح والظهر؛ لوجود فاصل بينهما ليس وقتًا لأداء الصلاة، وهي مسألة خلافية، تكلمت عليها في شروط الصلاة، وبينت أن الراجح في وقت العصر امتداده إلى غروب الشمس، وامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر، فارجع إليه إن شئت.
الوجه الرابع:
لو كان جمع ابن عباس جمعًا صوريًا لما صار الناس ينادونه: الصلاة الصلاة، وهو مستمر في صلاته لا يجيبهم حتى أكثر عليه التميمي، فأجابه بأن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهرين والعشاءين.
ولو كان ابن عباس يقصد بالجمع الجمع الصوري لدفع الاعتراض عليه بأن الوقت لا زال موسعًا، وأن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق، فلما عدل إلى الاحتجاج بالجمع دل على أنه قصد الجمع الوقتي.
ويجاب عن ذلك بأمرين:
الأمر الأول:
السنة في المغرب أن تصلى إذا وجبت الشمس، أي: غابت، حتى قيل: إن المغرب ليس لها إلا وقت واحد إذا غربت الشمس -وهو رواية عن مالك، حكاها العراقيون عن المذهب، والشافعي في الجديد- استدلالًا بحديث إمامة جبريل للنبي ﷺ حيث صلى المغرب في اليومين في وقتٍ واحدٍ خلافًا لبقية الأوقات، فكون الناس ينادونه الصلاة الصلاة لا يعني نفي الجمع الصوري ولا إثباته؛ فتأخير المغرب لآخر وقتها مخالف للسنة التي واظب عليها النبي ﷺ، من كونه يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب، ولا حرج على من رأى غيره يخالف السنة أن ينبهه.