وفي حديث ابن عباس في إمامة جبريل، قال: قال رسول الله ﷺ: أمني جبريل ﵇ عند البيت مرتين، فصلى فيه العصر في اليوم الأول حين كان ظله مثله .... فلما كان الغد صلى به الظهر حين كان ظله مثله (١).
ومعنى ذلك: أن النبي ﷺ حين فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني كان ظل كل شيء مثله: أي دخل وقت العصر بمجرد الانصراف من صلاة الظهر؛ لأنه لبيان آخر الوقت، وحتى تصدق البينية في قوله ﷺ: الصلاة بين هذين.
ودفع الشوكاني الإشكال، فقال: «قد عرَّف النبي ﷺ أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان، حتى إنه عينها بعلامات حسية، لا تكاد تلتبس على العامة فضلًا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل الأولى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها كما كان ذلك ديدنه ﷺ حتى قالت عائشة: ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله تعالى.
ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة، والخروج إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر. وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح: أن قوله ﷺ: (لئلا تحرج أمتي) يقدح في حمله على الجمع الصوري، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج» (٢).
الوجه الثالث:
لو كان ما تأولوه جمعًا لجاز مثله بين العصر والمغرب، وبين العشاء والفجر، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب ولا بين العشاء والصبح (٣).
ويجاب:
قولك:(أجمع العلماء على أنه لا يجوز الجمع بين العصر والمغرب … ).
(١) سنن أبي داود (٣٩٣). (٢) نيل الأوطار (٣/ ٢٥٩). (٣) انظر: التمهيد لابن عبد البر، ت بشار (٨/ ٥١)، الاستذكار (٢/ ٢٠٩)، شرح البخاري لابن بطال (٢/ ١٦٩) و (٣/ ١٦٩).