قيل: بقي ليدخل وقت العصر ظل الزوال نفسه؛ فإن العصر لا يدخل إلا بعد أن يكون ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وقد يكون الراوي قصد بذلك المبالغة، لا حقيقة المساواة، ولهذا كانت رواية الأكثر (حتى رأينا فيء التلول)، والله أعلم.
وفي حديث بريدة في صحيح مسلم في بيان المواقيت، صلى النبي ﷺ الصلوات الخمس في اليوم الأول في أول الوقت، وصلاها في اليوم التالي في آخر الوقت، فحين أراد أن يبين آخر وقت الظهر، قال الراوي: فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر، فأنعم أن يبرد بها (١).
فكان الإبراد تحري آخر وقت الظهر.
والسؤال المشروع: فهل كان الإبراد، وهو تأخير الظهر إلى قرب وقت صلاة العصر، فيه حرج على المصلين وتضييق عليهم أم كان فيه توسعة عليهم؟
ألم يكن الحرج بوجود الحر الشديد داعيًا إلى الجمع؟
وأيهما أشد حرجًا على المكلف، قطع الخطبة، والعود إليها بعد الصلاة، أو الخروج إلى الصلاة في شدة الحر، في بلاد كالحجاز؟
وأما القول بأنه يتعذر ضبط الانصراف من الصلاة الأولى في آخر وقتها، فهذا أيضًا مجرد دعوى، فالإبراد بالظهر إيقاع للصلاة في آخر وقتها.
وفي حديث أبي موسى حين أتى ﷺ النبي رجل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئًا … وفيه: ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس، ثم دعا السائل فقال: الوقت بين هذين (٢).
فمعنى ذلك أن صلاته في اليوم التالي كانت في آخر الوقت؛ لتصح البينية، فدل ذلك على إمكان إيقاع الصلاة في آخر وقتها، فليس ذلك بالشيء المتعذر، فصلاة العصر في اليوم الأول وصلاة الظهر في اليوم التالي لا يفصل بينهما من جهة التوقيت إلا الانصراف من الصلاة، والدخول في الأخرى، وقل مثل ذلك في العشاءين، وهل
(١) صحيح مسلم (١٧٦ - ٦١٣). (٢) صحيح مسلم (١٧٨ - ٦١٤).