والقول بأن ابن سيرين يرى جواز الجمع بلا سبب فيه نظر؛ لثلاثة أمور.
الأمر الأول:
أن هذا القول لم يثبت مسندًا عن ابن سيرين، والمتوفى (سنة: ١١٠ هـ)، ولم يذكره عنه أصحاب المصنفات كعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ولا الكتب التي تعنى بذكر الآثار مسندة كالطحاوي، والبيهقي، وابن جرير الطبري، وإنما أول من نسبه لابن سيرين بلا إسناد ابن المنذر في الأوسط (والمتوفى سنة: ٣١٩)، وبين وفاتيهما أكثر من مائتي سنة بحسب ما اطلعت عليه.
ومن بعد ابن المنذر نسبه ابن بطال في شرح البخاري (والمتوفى سنة ٤٤٩)، ثم ابن عبد البر (المتوفى: سنة (٤٦٣)، وبين وفاتيهما ووفاة ابن سيرين قريب من (٣٥٠) سنة، ثم تتابع بعد ذلك النقلة عنهم، ونحن أمة إسناد، فما لم نقف على سنده لابن سيرين يبقى القول عنه معلقًا، وقابلًا للطعن في صحة نسبته لابن سيرين.
الأمر الثاني:
أن القول المسند عن ابن سيرين بسند صحيح يخالف ما نسبه له ابن المنذر بلا إسناد.
(ث-٨٦١) فقد روى ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن هشام، عن الحسن، ومحمد، قالا: ما نعلم من السنة الجمع بين الصلاتين في حضر ولا سفر، إلا بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع.
[صحيح، وهشام بن حسان من أثبت الناس في ابن سيرين](١).
الأمر الثالث:
أن القول المنسوب لابن سيرين ليس جواز الجمع بلا سبب، وإنما جواز الجمع، ولو لم يكن خوف أو مطر، أو مرض إذا دعت حاجة، فلما كان الجمع للحاجة لا يراه أكثر الفقهاء عذرًا للجمع عُدَّ ذلك من الجمع بلا سبب، هذا هو التفسير المعقول لاختلاف النقل.