المسلك الأول: أنه منسوخ بالإجماع على خلافه، وقد حكى الترمذي في آخر كتابه: أنه لم يقل به أحد من العلماء.
وهؤلاء لا يقولون: إن الإجماع ينسخ، كما يحكى عن بعضهم، وإنما يقولون: هو يدل على وجود نص ناسخ» (١).
وقال الترمذي:«وقد بينا علة الحديثين جميعًا في هذا الكتاب».
فعقب الحافظ ابن رجب على هذه العبارة في شرحه، بقوله:«فإنما بيِّن ما قد يستدل به للنسخ، لا أنه بيِّن ضعف إسنادهما»(٢).
ووافق النووي الترمذي على ترك حديث قتل شارب الخمر، وقال: هو حديث منسوخ دلَّ الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم أقوال … ثم ذكرها (٣).
ولا يلزم من ترك العمل بالحديث ضعفه، ولا نسخه، فلا تكفي صحة الحديث لوجوب العمل به حتى يكون سالمًا من معارضة ما هو أقوى منه، وهذا ما عمله الأئمة الأربعة مع حديث ابن عباس فمنهم من ترك كل الحديث كالإمام أبي حنيفة ومالك وأحمد، ومنهم من لم يلتزم دلالة بعض ما يقتضيه الحديث كالإمام الشافعي، فلم يأخذ به في الحضر إلا بعذر المطر، وفي جمع التقديم خاصة.
الموقف الثاني للعلماء: القول بجواز الجمع بلا سبب:
ذهب جماعة من العلماء إلى أن ظاهر حديث ابن عباس يدل على جواز الجمع بلا سبب، منهم ابن سيرين، وربيعة الرأي، وأشهب وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، ولنأخذ هؤلاء واحدًا واحدًا للنظر في صحة نسبة هذا القول إليهم.
أقدم من نسب له هذا القول هو الإمام ابن سيرين، بشرط ألا يتخذ عادة وهو من الطبقة الوسطى من التابعين (٤).
(١) فتح الباري (٤/ ٢٦٥). (٢) انظر: العلل الصغير للترمذي (ص: ٧٣٦)، وانظر: شرح العلل لابن رجب الحنبلي (١/ ٣٢٣، ٣٢٤). (٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ٢١٨). (٤) انظر: الأوسط (٢/ ٤٢٣، ٤٣٣)، الإشراف على مذاهب العلماء (١/ ٤١٥، ٤١٧)، شرح البخاري لابن بطال (٣/ ٩٥) و (٢/ ١٧٠)، التمهيد، ت: بشار (٨/ ٦٠)، المنتقى للباجي (١/ ٢٥٥). فتح الباري لابن رجب (٤/ ٢٧٢).