في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا إذا دخل عليه وقت الظهر، وقد جدَّ به السير، فإن دخل عليه الظهر، وهو نازل، صلى الظهر في وقتها، ولم يجمع معها العصر، ثم ركب.
وأجيب بأكثر من جواب:
الجواب الأول:
لا نسلم أن النبي ﷺ لم يكن يجمع إلا إذا دخل عليه الوقت وهو راكب، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جمع التقديم، وهو نازل كما في حديث أبي جحيفة في الصحيحين، وحديث جابر في جمعه بعرفة في صحيح مسلم، وصح جمع التأخير وهو نازل، كما في حديث معاذ، وهو في مسلم، وهذا كافٍ في إباحة الجمع؛ لأن الجمع كما صح إذا جدَّ به السير صح عن النبي ﷺ وهو نازل، وليست هذه الأحاديث متعارضة.
يقول ابن عبد البر:«ليس فيما روي من الآثار عن النبي ﷺ أنه كان إذا جد به السير، جمع بين المغرب والعشاء، ما يعارض حديث معاذ بن جبل؛ لأن المسافر إذا كان له في السُّنَّةَ أن يجمع بين الصلاتين، نازلًا غير سائر، فالذي يجد به السير أحرى بذلك، وليس في واحد من الحديثين ما يعترض على الثاني به، وهما حالان، وإنما كانا يكونان متعارضين لو كان في أحدهما أن رسول الله ﷺ قال: لا يجمع المسافر بين الصلاتين، إلا أن يجد به السير.
وفي الآخر: أن رسول الله ﷺ جمع بين الصلاتين في سفره إلى تبوك، نازلًا غير سائر. فأما أن يجمع، وقد جد به السير، ويجمع وهو نازل لم يجد به السير، فليس هذا بمتعارض عند أحد له فهم، وبالله التوفيق» (١).
الجواب الثاني:
كون النبي ﷺ يترك الجمع في حديث أنس إلا أن يجد به السير يفيد استحباب الترخص بالجمع إذا جد به السير، ولا يدل ذلك على أنه من شروط الجمع؛ فالجمع مباح في السفر