للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

عنه، ولم يختلف على أنس في ذلك.

والثالث: حديث عائشة ، وقد اختلف رواتها في المقدم، أكان النبي هو الإمام أم كان أبو بكر رضي الله، وأكثر رواته على أن الإمام كان هو النبي .

فإن كان النبي صلى في مرض موته مرة واحدة، كما ذكر ذلك الإمام الشافعي في الأم (١)، فإن التعارض بين هذه الأحاديث بَيِّنٌ، فحديث عائشة أن ذلك كان منه في صلاة الظهر، وهي صلاة سرية، وحديث أنس أن ذلك كان في صلاة الصبح، وهي صلاة جهرية، وحديث ابن عباس لم تحدد فيه الصلاة، ولكن ظاهره أنه وقع في صلاة جهرية؛ لأن الراوي نقل أن النبي بنى على قراءة أبي بكر، وهذا يعني أن الراوي سمع قراءتهما، سمع ما انتهى إليه أبو بكر، وسمع ما ابتدأ به النبي ، وهذا لا يمكن أن يحمل كما ظنه بعض أهل العلم أن الإمام قد يجهر أحيانًا في بعض الآية في الصلاة السرية، والعلماء مختلفون في تعدد صلاة النبي في مرض موته، فمنهم من يقول: إن ذلك وقع مرة واحدة، ومنهم من يقول بتعدد تلك الصلاة لدفع ذلك التعارض بين هذه الآثار، وهناك من ينكر أن يكون النبي أمَّ في مرض موته كالإمام ربيعة الرأي، وهو أحد القولين عن الإمام مالك بن أنس، واختاره ابن خزيمة، وذهب مالك، ومحمد بن الحسن، والحسن بن حي، والثوري أن الجماعة إذا صلوا قيامًا خلف الإمام الجالس لم تجزئهم صلاتهم إلا أن يكونوا عاجزين مثله، ومنهم من يرى أن إمامة القاعد من خصائصه ، وسبق الكلام على هذه المسألة (٢).

يعارض هذه الأحاديث جملة من الأحاديث التي لا مطعن في صحتها، ولا اختلاف بين رواتها، ولا نزاع في دلالتها، وهي من السنة القولية الصريحة التي سيقت لبيان صفة


(١) قال الشافعي في الأم (٧/ ٢٠٩): «إن مرض رسول الله كان أيامًا كثيرة، وأنا لم نعلمه صلى بالناس جالسًا في مرضه إلا مرة، لم يصل بهم بعدها علمته حتى لقي الله».
ونقل ذلك البيهقي في معرفة السنن (٤/ ١٣٣).
وقد نقل عنه البيهقي في السنن قولًا آخر يخالف هذا، سوف يأتي معنا في البحث إن شاء الله تعالى.
(٢) التمهيد لابن عبد البر، ت بشار (٤/ ١٣١، ١٣٢)، و (١٤/ ٣٤٩)، فتح الباري (٢/ ١٧٥)، منهاج السنة لابن تيمية (٨/ ٥٦١)، طرح التثريب (٢/ ٣٤٥).
وسبق بحث خلاف العلماء في صلاة القائم خلف الإمام القاعد في المسألة السابقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>