النبي ﷺ بها؛ لأن الجماعة تنعقد باثنين فأكثر، وإنما اقتصر فيه على أقل الجمع ليس لكراهة الجماعة وإلا لما أمر بها النبي ﷺ، ولا لكراهة الكثرة؛ لأن المانع من الكثرة هنا أن المتصدق كان قد صلى فرضه، فاقتصر فيه على أقل عدد يحصل به أجر الجماعة؛ لأن إعادة الجماعة لا تصح بلا سبب، والسبب المبيح هو التصدق لحصول فضل الجماعة، وهو يحصل بواحد، فلا يشرع أكثر من ذلك، فلو تصدق أكثر من واحد لكان الثاني والثالث قد أعاد صلاته بلا سبب، وذلك غير مشروع.
ولم يتزاحم الصحابة على من يكون هو المتصدق ربما لأن غير المتصدق قد يكون آثر جلسته مع النبي ﷺ على التطوع مع الرجل.
الجواب الثالث:
لو كان المتخلف عن الجماعة عددًا كثيرًا فلن يختلف الحكم؛ لأن الفعل صورته صورة جماعة ثانية، فما أبيح لاثنين أبيح للثلاثة فأكثر إلا بدليل، وإذا كان الفعل لا فرق فيه بين المكروه والمأذون فيه إلا بالنية، فالنية محلها القلب، فلو لم تكن الجماعة الثانية غير مكروهة مطلقًا لم يأذن الشارع في مثل هذا الفعل حتى لا يلتبس على الناس المكروه بالمأذون فيه، ودعوى أنه لو كان المتخلف عن الجماعة اثنين فأكثر لن يأذن له النبي ﷺ بإقامة الجماعة دعوى في محل النزاع لا دليل عليها وما حمل على ذلك إلا اعتقاد كراهة تكرار الجماعة، فالباعث على تأويل النصوص على خلاف ظاهرها هو اعتقاد كراهة الجماعة، ولو نظر المنصف إلى هذا الدليل، وهو خال من الاعتقاد المسبق لقال بمقتضاه من استحباب تكرار الجماعة، وهذا ما فهمه كثير من أئمة أهل الحديث.
فبوب عليه الدارمي في سننه، فقال: باب في صلاة الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة (١).
وترجم له أبو داود بقوله: باب في الجمع في المسجد مرتين (٢).
وترجم له الترمذي بقوله: باب ما جاء في الجماعة في مسجد قد صلي فيه مرة (٣).
(١) مسند الدارمي، ت حسين أسد (٢/ ٨٦٣). (٢) سنن أبي داود (٥٧٤). (٣) سنن الترمذي، ت شاكر (١/ ٤٢٧).