(ح-٢٨٣٨) وروى البخاري مسلم من طريق ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عطاء بن أبي رباح،
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا-، وليقعد في بيته. وإنه أتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحًا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه، فلما رآه كره أكلها. قال: كل فإني أناجي من لا تناجي (٣).
فالشارع أباح أكل الثوم والبصل والكراث مطلقًا، فلو كان حضور الجماعة فرضًا لاشترط في أكله أن يميته طبخًا لتذهب رائحته، أو يكون ذلك حيث لا تجب الجماعة، إما لبعد المسجد، أو كان أكله في وقت تذهب رائحته قبل وجوب الجماعة، ولا يكفي القول بأن الرجل إذا أكل من هذه الشجرة حرم أجر الجماعة، فالبحث ليس في تفويت الفضل، فكل الفضائل إذا لم يفعلها الإنسان، وكان المانع من قبل المكلف، فقد حرم فضلها، وإنما الكلام في عدم الوقوع بالإثم، فإذا كان يأكل منها، ولا يأثم بتركه الجماعة دل على أن الجماعة ليست واجبة.
قال ابن عبد البر: «وقد أباحت السنة لآكل الثوم التأخر عن شهود الجماعة، وقد بينا أن أكله مباح، فدل ذلك على ما وصفنا، وبالله عصمتنا. ألا ترى أن الجمعة إذا نودي لها، حرم على المسلمين من أهل الحضر كل ما يحبس عنها من بيع، وقعود، ورقاد، وصلاة، وكل ما يشتغل به المرء عنها؟ وكذلك من كان من أهل المصر حاضرًا فيه، لا عذر له في التخلف عن الجمعة؛ أنه لا يحل له أن يدخل على نفسه ما يحبسه عنها، فلو كانت الجماعة فرضًا، لكان أكل الثوم في حين وقت الصلاة حرامًا، وقد ثبتت إباحته، فدل ذلك على أن حضور الجماعة
(١) صحيح البخاري (٨٥٣). (٢) صحيح مسلم (٧١ - ٥٦٣). (٣) صحيح البخاري (٧٣٥٩)، صحيح مسلم (٧٣ - ٥٦٤).