للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الوجه الثالث:

وقيل: الفرق أن عتبان لم يكن يصلي خلف النبي فرخص له، بخلاف ابن أم مكتوم، ولا شك أن الصلاة خلف النبي آكد من الصلاة خلف غيره، وإذا كانت الصلاة في مسجده أو في المسجد الحرام ليست كالصلاة في غيرهما، فما بالك بالصلاة خلفه ، ولذلك بعض أهل العلم جعل وجوب الجماعة خاصًّا بالصلاة خلف النبي ، واستدل على ذلك بأن النبي حين اشتكى، وجاءه بعض أصحابه يعودونه، فحضرت الصلاة صلوا خلفه، ولم يذهبوا للمسجد.

الوجه الرابع:

وبعضهم حمل قصة ابن أم مكتوم على صلاة الجمعة، لقوله: أتسمع النداء، بخلاف عتبان بن مالك، فإنه سأل التخلف عن الصلوات الخمس (١).

وقد ناقشت هذا الافتراض، وبينت ضعفه، وأن صلاة الجمعة في المصر تجب على الجميع، ولو لم يسمع النداء، وحكي إجماعًا.

الوجه الخامس:

بعضهم حمل حديث عتبان على الجواز، وحديث ابن أم مكتوم على الاستحباب.

وجه التفريق: أن ابن أم مكتوم سأل رسول الله أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم. قال: فأجب.

هذا اللفظ هو لفظ مسلم، وهو اللفظ الذي ورد به الحديث موصولًا.

فالنبي صرف قوله عن قاعدة الجواب، حيث سأله أن يرخص له، فقال: هل تسمع النداء؟ ولم يصرح له بعدم الرخصة، وكان من صريح القول أن يقول: ليس لك رخصة، أو ما أشبه ذلك، فعدل بالجواب عن وتيرة السؤال، بل قال: فأجب، فيحتمل أنه رخص له أولًا، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك والأعظم لأجرك أن تجيب وتحضر، فأجب.

ولقد اختار لابن أم مكتوم الاستحباب لكونه الأليق بحاله، فقد كان من فضلاء المهاجرين والسابقين الأولين، وكان لا يرغب يومئذ عن الصلاة خلف النبي إلا


(١) التمهيد، ط بشار (١١/ ٥٧٩)، إكمال المعلم (٢/ ٦٢٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>