وقت السيل، والسيل لا يدوم، بخلاف ابن أم مكتوم فهو طلب رخصة دائمة، وليست عارضة؛ لأن ما ذكره عتبان من تغير بصره، ووجود الظلمة والمطر والسيل، كل هذه الثلاثة مجتمعة علة في الإذن له بالتخلف، ولا يكون بعضها علة حتى تجتمع في حقه الثلاثة الأعذار، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وقد جاء في النصوص ما يؤكد أنه كان يصلي بقومه بعد وفاة النبي ﷺ.
فقد جاء في رواية في الصحيحين، قال محمود بن الربيع: فحدثت بهذا الحديث نفرًا فيهم أبو أيوب الأنصاري، فقال:«ما أظن رسول الله ﷺ قال ما قلت! قال: فحلفت إن رجعت إلى عتبان أن أسأله! قال: فرجعت إليه فوجدته شيخًا كبيرًا قد ذهب بصره، وهو إمام قومه، فجلست إلى جنبه فسألته عن هذا الحديث فحدثنيه كما حدثنيه أول مرة»(١).
هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري:(فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه … ) وذكر مثله.
فدل على أن عتبان كان يصلي بقومه حتى بعد وفاة النبي ﷺ بما يدل على أنه لم يسأل التخلف عن الجماعة دائمًا، وإنما سأله التخلف وقت العذر، وفرق بين العذر العارض والعذر الدائم.
الوجه الثاني:
ذهب بعض أهل العلم إلى أن وجه الفرق أن ابن أم مكتوم كان يسمع التأذين دون الآخر (٢).
• ورد هذا:
بأن النبي ﷺ لم يسأل عتبان أتسمع النداء؟ فلم يكن الإذن له مرتبًا على عدم السماع، فافتراض ذلك في قصة عتبان لا يساعد عليه النص؛ ولأن عذر المطر والسيل لا يشترط فيه عدم سماع الأذان.
(١) رواه البخاري (١١٨٦) من طريق إبراهيم بن سعد، ومسلم (٢٦٤ - ٣٣) من طريق معمر، كلاهما عن الزهري به. (٢) فيض الباري شرح البخاري (٢/ ٢٦١).