فيشق عليَّ اجتيازه قِبَل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ، فقلت له: إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار، فيشق عليَّ اجتيازه … ).
وهنا أثبت القدرة على الذهاب لكن مع المشقة، والمشقة هنا ليست العمى بل بسبب المطر والسيل.
• ويناقش من وجوه:
الوجه الأول:
عذر ابن أم مكتوم ليس العمى وحده، ففي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، أنه ضرير، ولا قائد له.
وفي مرسل عبد الله بن شداد زيادة: (وبينه وبين المسجد نخل وشجر).
وفي مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى: (ويخشى على حياته من السباع والهوام).
فإن كان الحجة في الموصول دون المرسل فعذره العمى، ولا قائد له، وهو عذر عند الأئمة الأربعة إلا أن يهتدي بنفسه للوصول إلى الجامع، ففيه خلاف.
ولو كان ابن أم مكتوم ممن يهتدي للمسجد بنفسه لم يعتذر بأنه ليس له قائد يلائمه، ثم إن النبي ﷺ علق الوجوب بسماع النداء، وليس بذكاء الأعمى وحذقه.
وإن احتججنا بالمرسل: فيشق عليه الذهاب إلى المسجد؛ لوجود حائل من الشجر والنخل، ولكونه خائفًا على حياته من السباع والهوام، وهو عذر بالإجماع.
فلا يصح دعوى أن عذر ابن أم مكتوم هو العمى وحده.
قال ابن رجب: «من الناس: من جمع بينهما بأن عِتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه، وهذا عذر واضح؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك. وإنما ذكر مشقة المشي عليه.
قال ابن رجب: وفي هذا ضعف؛ فإن السيول لا تدوم، وقد رخص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف» (١).
ولا يظهر لي صواب كلام ابن رجب، فالظاهر أن عتبان طلب رخصة عارضة
(١) فتح الباري لابن رجب (٣/ ١٨٥).