وكذلك صيغة التفضيل تدل في اللغة على اشتراك في الفضل، ومنه قول الفقهاء في النسك: الحلق للرجال أفضل من التقصير، يفيد جواز التقصير؛ لوجود فضل فيه، وليس مجرد الصحة، وإن كان الحلق أكمل. وهذا لا يختلفون فيه.
وقولك: الوتر في آخر الليل أفضل، يفيد جواز الوتر في أول الليل، وليس مجرد الصحة، وإن كان آخر الليل أكمل، فمن قال: إن التفضيل بين صلاة المنفرد وصلاة الجماعة لا تدل إلا على صحة صلاة المنفرد، فقد قَصَّر في الدلالة.
الجواب الثاني:
أن الشارع قد يفاضل بين شيئين من غير اشتراك في الفضل.
كما في قوله تعالى: ﴿آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ولا خير في شركهم.
وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ولا خير في مكرهم.
وقال ﷾: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. ولا خير في أهل النار.
• ورد هذا الجواب:
بأن أفعل التفضيل تأتي على صيغتين:
إحداهما: مطلقة غير مقيدة بعدد معين، وهذه لا تنافي الوجوب، لأنها قد تقع بين شيئين أحدهما لا فضل فيه أصلًا، بل تجوز المفاضلة بين الخير المطلق والشر المطلق، ومنه الآيات السابقة.
وبعضهم يرى أن أفعل التفضيل في هذا السياق خرج عن بابه، فلا يفيد التفضيل، ويكون معنى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]: أي خير مستقرًّا مما أنتم فيه.
ومنه قول لوط ﵇: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ﴾ [هود: ٧٨]: أي طاهرات.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]: أي لا يصلاها إلا الشقي.
وقد فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]: أي هيِّن؛ لأن كليهما بالنسبة إلى القدرة على السواء.
الثانية: أن تكون صيغة التفضيل مقيدة بعدد معين، فهذا يقتضي التشريك بينهما في أصل الفضل، وأن يكون المفضل زائدًا على المفضل عليه بالعدد المذكور،