للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الجماعة، ولو ترك القيام، أو يصلي منفردًا محافظة على القيام؟ (١).

والحكم لم يكن مبنيًّا على مراعاة الجماعة وتقديمها على ركن القيام.

فالذين قالوا يصلي مع الإمام يرون الجماعة إما سنة مؤكدة، وإما فرض كفاية، بخلاف القيام فإنه ركن، وإنما بنوا حكمهم على أساس أن الصلاة تجب مرتبة، فيدخل المصلي مع الإمام قائمًا؛ لأن المصلي في أول أمره قادر على الصلاة مع الإمام، وقادر على القيام، فلا يترك المصلي ما قدر عليه لعجز مظنون، فإذا أطال الإمام القيام، وشعر بالعجز، سقط عنه القيام لتحقق عجزه، ولا يسقط عنه قبل ذلك، ويكون بذلك قد امتثل حديث عمران بن الحصين في الصحيحين: (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا)، ويكون مثله مثل الرجل يفتتح الصلاة قائمًا، ثم يطرأ عليه عجز، فإنه يقعد.

ومن الفقهاء من قال: يصلي وحده إذا كان يظن أنه لا يقدر على القيام مع تطويل الإمام، ومنهم من قال: يتخير، والمسألة كما قلت: لا دليل فيها، ولا اتفاق عليها.

هذه تقريبًا أدلة القائلين بوجوب الجماعة وجوبًا عينيًّا، ولا يسلم لهم من الأدلة المرفوعة إلا حديث أبي هريرة في الهم بالتحريق، وقد سبق مناقشته، ومناقشة الاعتراضات على الاستدلال به على الوجوب وجوبًا عينيًّا.

• دليل من قال: صلاة الجماعة سنة مؤكدة:

من خلال مناقشتي لأدلة الوجوب استدعى ذلك ذكر بعض أدلة الاستحباب، وسوف أضطر لإعادة ذكرها، ليس حبًّا في التكرار، ولكن لأن القارئ قد يطلب أدلة الاستحباب فقط، ولا يجد وقتًا لقراءة البحث كاملًا، خاصة أنه يقع قريبًا من مائتي صفحة، فيظن أن هذه هي أدلة الاستحباب، والواقع بخلافه، فأرجو تفهم ذلك.

الدليل الأول:

أن الله تعالى أمر بالصلاة أمرًا مطلقًا، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].

وقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].


(١) جاء في معونة أولي النهى (٢/ ٣٢١): «المريض إذا لم يستطع القيام في الجماعة، واستطاعه متفردًا، له أن يصلي جماعة … ».
فقوله: (له أن يصلي جماعة) أي على التخيير، وليس على سبيل الوجوب.

<<  <  ج: ص:  >  >>