النفاق سبب التخلف، لا عكسه، أي: لا يلزم أن من تخلف عن الجماعة وقع في النفاق، وفيه دليل على أن من حافظ على الجماعة في المسجد أنه بريء من النفاق.
الوجه الرابع:
حرص الصحابة على الجماعة حتى مع قيام العذر المبيح للتخلف، وموعظة الحاضرين بما كان عليه أصحاب محمد ﷺ، بما يدل على أن الموعظة كانت موجهة لجماعة من الناس أكثرهم ليسوا من الصحابة، حتى ذَكَر لهم ابن مسعود أن الرجل منهم يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف.
وكأن ابن مسعود يريد أن يقارن بين حال الناس حين وعظهم وبين حال الصحابة مع النبي ﷺ، وأن القدوة والتأسي بما كان عليه صحابة النبي ﷺ.
(ث-٧١٩) وقد روى البخاري بإسناده عن أم الدرداء، قالت: دخل علي أبو الدرداء، وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمر محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا (١).
ولا شك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لهم قصب السبق في كل خير، فإذا أُمِروا بشيء فعلوه، ولم يسألوا أهو للوجوب أم للندب، وإذا نُهوا عن شيء تركوه، ولم يسألوا عن حقيقة النهي، أهو للكراهة أم للتحريم، وكان أغلبهم لا يدع الجماعة حتى مع قيام العذر الشرعي المبيح للتخلف عن الجماعة، وإن كان مثل هذا قد لا يدل على وجوب الجماعة، فالنبي ﷺ حين سقط من فرسه صلى في بيته، وكان بعض الصحابة ربما صلى في بيته جماعة بلا عذر كما سيأتي بيانه.
(ث-٧٢٠) وروى البخاري من طريق مهدي بن ميمون، عن غيلان،
عن أنس ﵁ قال: إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إنْ كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات (٢).
وإذا كان هذا في عهد التابعين فما ظنكم بعصرنا؟ فالله المستعان.