فكان كل قائل يؤول قول ابن مسعود ويحمله على مذهبه في حكم صلاة الجماعة في المسجد، وما ذلك إلا لأن دلالته ليست صريحة، ولو كانت دلالته صريحة لما حُمِل على كل هذه الأقوال المختلفة.
يقول أبو العباس القرطبي: «وقوله في حديث ابن مسعود: (ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتموها لضللتم)، هذا يصلح أن يتمسك به من قال: إن إقامة الجماعة للصلوات فرض على الكفاية، كما حكيناه، ويصلح لمن يقول: إنها سنة، ويكون إطلاقه الضلال على التاركين إذا تمالؤوا على تركها» (١).
قلت: ويصلح أن يستدل به من قال: الجماعة في المسجد فرض عين.
وقول ابن مسعود:(وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يصلي فيه في بيته، فلو صليتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم، لتركتم سنة نبيكم).
هذه الجملة من كلام ابن مسعود، والربط بين كون أغلب المصلين له مسجد في بيته يصلي فيه، وبين التحذير من الصلاة في البيت وترك المسجد إشارة إلى تفشي ترك صلاة الجماعة في المسجد حين وعظ ابن مسعود جماعة المصلين بهذه الموعظة، وإلا فلا تعلم مناسبة بين الجملتين بين ذكر مصلى البيت، وبين الصلاة المفروضة في البيت، وترك المسجد، والله أعلم.
الوجه الثالث:
قوله:(ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، معلوم النفاق).
فيه حرص الصحابة على الصلاة جماعة. قال القاضي أبو يعلى: وهذا إجماع منهم (٢).
يقصد إجماعًا عمليًّا، وإلا فالصحابة مختلفون في وجوب الجماعة في المسجد.
كما يستفاد من كلام ابن مسعود: أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وأن
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٢/ ٢٨٠). (٢) التعليقة الكبيرة (٢/ ٢٤٧).