للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

الوجه الثاني:

قوله: (لو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم. ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم) ظاهره أن ترك صلاة الجماعة سبب في الوقوع في الضلال؛ وذلك لا يكون إلا على ترك واجب.

فأخذ منه القائلون بالوجوب: أن هذا يصدق على المتخلف الواحد، كما يصدق على الجماعة، وكان قول ابن مسعود دليلًا على وجوب الجماعة في المسجد وجوبًا عينيًّا.

والقائلون بأن الجماعة في المسجد فريضة عامة، وليست فريضة على الأعيان، قالوا: هذا الأثر يصدق على ترك الجميع لصلاة الجماعة؛ لأن الخطاب كان بلفظ الجمع، لقوله: (ولو أنكم تركتم سنة نبيكم … )، ولقوله: (وتركتم مساجدكم) إشارة إلى تعطيلها من المصلين؛ لأنه لا يصدق على المساجد بأنها تركت إلا إذا عطلت من الصلاة، فإذا كانت المساجد عامرة بالمصلين فلم تترك المساجد؛ لقيامهم بفرض الكفاية، وسقط الإثم عن الباقين.

قال ابن عبد البر: «وقد أوجبها جماعة من أهل العلم، فرضًا على الكفاية. وهو قول حسن صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، فإذا قامت الجماعة في المسجد، فصلاة المنفرد في بيته جائزة» (١).

قال ابن رجب: «وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات، وبذلك رجح قول من قال: إن الجماعة فرض كفاية» (٢).

والقائلون بأن الجماعة سنة رأوا أن ترك الجماعة لا يكون ضلالًا إلا إذا تمالؤوا على تركها، بحيث تعطلت الشعيرة، وهذا التأويل لا يختلف عليه.

وقد أخذ ابن عبد البر من قوله: (تركتم سنة نبيكم … ) أن ذلك دليل على أن الجماعة ليست واجبة (٣)، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأن السنة في الشرع أعم من


(١) التمهيد، ت بشار (١١/ ٥٧٩).
(٢) فتح الباري (٥/ ٤٥١).
(٣) التمهيد، ت بشار (١١/ ٥٨٢)، المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>