أن النَّبِي ﷺ علم من حال ابن أم مكتوم أنه كان يمشي بلا قائد؛ لشدة حِذقه، وذكائه، كما هو مشاهد في بعض العميان يمشي بلا قائد، لا سيما إذا كان يعرف المكان قبل العمى، أو تكرر المشي إليه بقائد، فلكثرة عادته في التردد استغنى عن القائد، وقد كان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة، فكان يصلي بهم، وهو أعمى، وقد ذكر أهل التاريخ أنه خرج إلى القادسية، فشهد القتال، فاستشهد هناك، وقيل: بل رجع إلى المدينة ومات هناك، بما يدل على أن العمى لم يكن عائقًا (١).
قال الشوكاني:«ولا بد من هذا التأويل؛ لأن أمر الأعمى بحضور الجماعة، مع عدم القائد، ومع شكايته من كثرة السباع والهوام في طريقه كما في مسلم، ومع قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] في غاية الإشكال»(٢).
• ويرد على هذا التأويل بأكثر من وجه:
الوجه الأول:
أن هذا التأويل لا يحل الإشكال؛ لأن النبي ﷺ علق وجوب الإجابة على سماع النداء، ولم يعلقه على حذق الأعمى وقدرته على الوصول إلى المسجد.
الوجه الثاني:
أن المستفتي إذا قال: ليس له قائد يلائمه، وأنه يخاف على نفسه السباع والهوام، وبينه وبين المسجد نخل وشجر فإنه يُدَينُ فيما بينه وبين الله ﷾، ولو كان النبي ﷺ لم يتحقق من عذره لراجعه فيما يدعيه، لا أن يقول له: أجب النداء موهمًا أن هذه الأعذار لا أثر لها في سقوط الجماعة مطلقًا، بينما هي مسقطة للجماعة لو تحققت.
ولذلك لما سأل رجلان النبي ﷺ من مال الصدقة، رفع فيهما بصره وخفضه،
(١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٢/ ٦٢٥)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٣/ ٥٥٢). (٢) انظر: نيل الأوطار (٣/ ١٥١)، ونسبة الشوكاني (كثرة السباع والهوام) لمسلم وهم، فهي جاءت في مرسل ابن أبي ليلى.