وأبو صالح السمان، والأعرج، وابن سيرين، وأبو سلمة، وطاوس، وهمام بن منبه، فهؤلاء هم كبار أصحاب أبي هريرة، والمعدودون في الطبقة الأولى من أصحابه، لماذا لم يحفظوا لنا هذا الحديث عن أبي هريرة، ويزيد بن الأصم ليس هو من المكثرين عن أبي هريرة حتى يغتفر له تفرده عن سائر أصحاب أبي هريرة.
هذا ما يتعلق بإسناد الحديث، وقد أوضحت ذلك في تخريج الحديث بما يكفي، فارجع إليه إن شئت.
وأما المتن: فإن الأمة مجمعة على سقوط الجماعة بالعذر، نص على ذلك جمع من أهل العلم (١).
وإذا كان الأعمى لا قائد له يقوده إلى المسجد كما في حديث أبي هريرة، وبينه وبين المسجد نخل وشجر، كما في مرسل عبد الله بن شداد، ويخشى على حياته من السباع والهوام، كما في مرسل ابن أبي ليلى، والمكلف إذا خشي على ماله سقطت عنه الجماعة بالإجماع، فكيف إذا خشي على نفسه؟!
ولا يصح القول بأن الخوف على نفسه من السباع والهوام وأن بينه وبين المسجد شجرًا ونخلًا جاءت عن طريق بعض المراسيل، والمراسيل لا حجة فيها؛ لأنه لا يصح أن تُقَوِّي حديث أبي هريرة بهذه المراسيل، ثم لا تقبل الاعتراض عليك بألفاظها بحجة أنها مراسيل، فإذا أنكرت ألفاظها أسقطت الاعتبار بها، وبقي حديث أبي هريرة لا شاهد له، ويكفي الأعمى عذرًا أنه لا قائد له، وهذا منصوص عليه في حديث أبي هريرة في مسلم، فليس البحث في العمى، أهو عذر بنفسه في إسقاط الجماعة أم لا، فهذه مسألة خلافية بين الفقهاء، ولكن البحث في أعمى لا قائد له، فأصبح غير قادر، لا بنفسه، ولا بغيره إلا بمشقة وأذى قد يتعرض له.
وقد نص القرآن على أن الأعمى ليس عليه حرج، في آية النور، وذلك في الأكل من بيوت من خَلَّفهم في بيته من الغزاة حتى يرجعوا في أصح أقوال أهل
(١) إكمال المعلم (٢/ ٦٢٥)، شرح النووي على صحيح مسلم (٥/ ١٥٨)، شرح سنن أبي داود لابن رسلان (٣/ ٥٥٢)، مرقاة المفاتيح (٣/ ٨٣٤)، فتح الباري (٢/ ١٣٠)، شرح القسطلاني على البخاري (٢/ ٣٨).