مما يعارض دلالة حديث أبي هريرة أن الصلاة المقضية لا تجب لها الجماعة، وحكى النووي الإجماع على ذلك (١)، وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك، والليث، خلافًا لأحمد وإسحاق، وداود، ولو كانت الجماعة واجبة لكان القضاء يحكي الأداء، وسوف يأتي بحثها في مسألة مستقلة إن شاء الله تعالى.
هذا ما وقفت عليه في مناقشة دلالة حديث أبي هريرة على وجوب صلاة الجماعة في المسجد، والله أعلم.
ولقد أطلت المناقشة؛ لأنه الدليل الأقوى في وجوب صلاة الجماعة، وثبوته لا مطعن فيه، وهو مخرج في الصحيحين، وفي أمهات كتب السنة، وكل ما ورد عليه من اعترض إنما هو في دلالته على الحكم، أو في كونه محكمًا، أو في كونه معارضًا بأدلة أخرى، وما ذكر من هذه الوجوه، منها ما هو قوي، ومنها ما هو ضعيف، وما كان ضعيفًا فقد اجتهدت في بيان وجه ضعفه بحسب ما ظهر لي، والله أعلم، وعلى أقل الأحوال فإن ما ذكر يلتمس الباحث فيه العذر للأئمة الأربعة حين اختاروا سنية صلاة الجماعة في المسجد، وهي الرواية المشهورة في مذهب الإمام أحمد، وإن كان المشهور في المذهب وجوب صلاة الجماعة في غير المسجد، وإذا لم يأخذ الأئمة بدلالة حديث أبي هريرة في وجوب أدائها في المسجد، فجمهورهم لم يأخذ به في دلالته على وجوب الجماعة؛ لأن دلالة الحديث واحدة. وهذا القول رواية عن أحمد خلافًا للمشهور من مذهبه، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ح-٢٨٠٩) ما رواه مسلم من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم
(١) جاء في المجموع (٤/ ١٨٩): «أما المقضية من المكتوبات فليست الجماعة فيها فرض عين ولا كفاية بلا خلاف ولكن يستحب الجماعة في المقضية».