للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (١).

ولا يظهر لي اعتبار مثل ذلك نسخًا، بل ظاهره أن ذلك كان عن اجتهاد من النبي أمر به السَّرِيَّةَ بالتحريق، ثم استدرك ذلك قبل خروجهم، بقوله: إن النار لا يعذب بها إلا الله.

(ح-٢٧٩٦) ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة، والدارمي، والطبري في تهذيب الآثار من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن بُكَيْرِ بن عبد الله بن الأشج، عن أبي إسحاق إبراهيم الدوسي،

عن أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله ، في سَرِيَّة فقال: إن ظفرتم بفلان وفلان فأحرقوهما بالنار، حتى إذا كان الغد، بعث إلينا فقال: إني كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين، و رأيت أنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا الله، فإن ظفرتم بهما، فاقتلوهما.

[وإسناده حسن، وليس فيه معارضة لرواية الصحيح] (٢).

فالنبي تراجع من قبل نفسه قبل انطلاق السَّرِيَّةِ، فكذلك تركه تنفيذ الهم بالتحريق من هذا الباب (٣).

وإن أريد به النسخ اللغوي وليس الاصطلاحي، أي أن النبي نسخ بنفسه أمره الأول بأمره الثاني قبل التمكن من الفعل، فالخلاف لفظي. أما أن يكون هناك تشريع مستقر بجواز التعذيب بالنار، ثم نسخ بعد ذلك بتشريع آخر، ففي هذا نظر.

وإذا كان أمره بإحراق الرجلين كان اجتهادًا واستدركه بالاكتفاء بقتلهما دون تحريق فالقول بأن الهم بالتحريق كان اجتهادًا أولى بالاعتبار؛ لأنه في حق الرجلين لم يدع قتلهما وإن نهى عن قتلهما بالنار، ولم يأمر بقتل تارك الجماعة، ولم يقتل من عصر التشريع إلى يومنا هذا، والإجماع مستقر على منع قتله، بل لو ترك رجل الصلاة لم يحرق بالنار، ولم يقتل حتى يُدْعَى لفعلها، ويمتنع في أصح


(١) صحيح البخاري (٣٠١٦).
(٢) مصنف ابن أبي شيبة (٣٣١٤٢)، وسنن الدارمي (٢٥٠٤)، وتهذيب الآثار، مسند علي (١٣٨)، وهو في السيرة لابن إسحاق، استخراج ابن هشام (١/ ٦٥٧).
(٣) انظر: فتح القدير لابن الهمام (٥/ ٤٧٧)، شرح البخاري لابن بطال (٥/ ١٧١)، حاشية الجمل (١/ ٥٠٠)، شرح الزركشي على الخرقي (٦/ ٥٢٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>