بإحراق بيوت قوم على ترك سنة، وهو الشفيق بأمته، عزيز عليه ما يعنتهم، حريص عليهم، بالمؤمنين رؤوف رحيم، وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
وحديث أبي هريرة من القسم الثاني، وهو التوعد بالعقوبة، وليس بإيقاع العقوبة، وإذا كان يتوعد بهذه العقوبة الشنيعة في الدنيا، فما بالك بالآخرة.
والعقاب بالزجر قد يتصور في حق مرتكب المكروه، وفي حق تارك السنن المؤكدة، أما الهم بالتحريق، وإن لم يكن واجب النفاذ فلا يتصور إلا في حق مرتكب عظائم الأمور، ودعني من اصطلاح الفقهاء في العقاب على ترك السنن، وقد قال النبي ﷺ لمن أقسم لا يزيد على الفرائض ولا ينقص منها: أفلح إن صدق، متفق عليه، فلا يعلم أن أحدًا توعد بالتحريق في الدنيا على ذنب فعله إلا على ترك الجماعة، فلم يتوعد بهذا آكل الربا، ولا آكل مال اليتيم، ولا قاذف المحصنات، ولا قاطع الأرحام ولا الماشي بالنميمة لإفساد ما بين الناس، مع عظم هذه الذنوب، وأثرها السيئ في الدين والمجتمع، فعلم أن ترك الجماعة من كبائر الذنوب.
قال ابن تيمية:«معلوم أن التحريقَ بالنار لا يكون إلا عن كفرٍ أو كبيرةٍ عظيمة»(١).
الوجه الثاني:
القول بأنه مجرد همٍّ، وليس عزمًا، ليس بصحيح؛ لأن الهم أعم من العزم، فكل عزم هم، وليس العكس، وقد يطلق أحدهما على الآخر، وكون الرسول ﷺ أكد الهَمَّ بالقسم (والذي نفسي بيده لقد هممت) فهو قرينة من السياق على أنه أراد به العزم، وليس مجرد حديث النفس.
وإذا أعلن الهم وخرج من كونه مكنونًا في الصدر تحول إلى وعيد صريح، وإعلانه كافٍ في ردع المتخلف، وبيان عظم ذنبه.
الوجه الثالث:
لا يصح القول بأن النبي ﷺ هدد بما لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، نعم تَرْكُه للفعل يدل على أنه ليس بواجب النفاذ، ونفي الوجوب لا يستلزم نفي الجواز.
(١) جامع المسائل لابن تيمية، ط عطاءات العلم (٤/ ١٢٩).