قيل: هذا كلام العرب المستفيض عندنا غير المستنكر في إزالة العمل عن عامله إذا عمله على غير حقيقة، ألا ترى أنهم يقولون للصانع إذا كان ليس بمحكم لعمله: ما صنعت شيئًا، ولا عملت عملًا، وإنما وقع معناه هاهنا على نفي التجويد، لا على الصنعة نفسها، فهو عندهم عامل بالاسم، وغير عامل في الإتقان، حتى تكلموا به فيما هو أكثر من هذا» (١).
وقال ابن خزيمة: «هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرًا قط) من الجنس الذي يقول العرب: ينفى الاسم عن الشيء، لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل:(لم يعملوا خيرًا قط) على التمام والكمال، لا على ما أُوجب عليه، وأُمر به» (٢).
ويؤيد ذلك أحاديث صحيحة جمعت بين القول بأنه لم يعمل خيرًا قط، مع إثبات عمل الجوارح.
(ح-٣١١) فروى مسلم من حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فأشار عليه رجل عالم بالخروج من أرضه تلك؛ لأنها أرض سوء، ثم أمره أن ينطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن فيها قومًا صالحين ليعبد الله معهم، فخرج حتى إذا انتصف في الطريق أدركه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط .... الحديث (٣).
فهذا الرجل خرج تائبًا مهاجرًا، وهو من عمل الجوارح، ومع ذلك قالت فيه ملائكة العذاب: لم يعمل خيرًا قط.
(ح-٣١٢) وروى أحمد والنسائي وغيرهما من طريق ابن عجلان، عن زيد ابن أسلم، عن أبي صالح،
عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ -قال: إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان
(١) كتاب الإيمان (ص: ٤١). (٢) التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٧٣٢). (٣) أخرجه مسلم (٢٧٦٦) من طريق قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد.