للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

قط) فلفظ: (خيرًا) نكرة في سياق النفي فيدخل فيه نفي كل خير، ومن ذلك نطقهم بشهادة التوحيد، ويؤيده بأن الله تدرج في الإذن بإخراج من كان في قلبه مثقال دينار من خير، ثم ما زال يأذن بإخراج من هو دون ذلك، حتى أذن في آخر الأمر بإخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، حتى قال المؤمنون: ربنا لم نذر فيها خيرًا، فهذا دليل على أنهم ليس فيهم مطلق الخيرية، بما في ذلك إقرارهم لله بالوحدانية، وإلا لكان هذا من الخير الذي عملوه، وقد قيل ذلك.

فإن قالوا: هذا النص ليس على عمومه، فلابد للنجاة من النار أن يكونوا موحدين، ولا يكونون موحدين إلا بالإقرار بالوحدانية، ولا يكفي مجرد قول اللسان، وإلا لدخل في ذلك المنافقون، فلا بد أن يكون مع قول اللسان عمل بالقلب يصح به الإيمان، فهذا العموم مخصوص بنصوص أخرى تشترط عمل القلب لصحة الإيمان، والنجاة من النار.

فيقال لهم: ونحن أيضًا خصصنا هذا العموم بنصوص أخرى تشترط الصلاة لصحة الإيمان، وتصرح بأن غير المصلي مشرك كافر، لاحَظَّ له في الإسلام، ولا سبيل له في النجاة، فاتفق الجميع بأن عموم الحديث غير مراد.

الوجه الثالث:

حمل النفي في قوله: (لم يعملوا خيرًا قط) على نفي الخير المسبب للنجاة من النار، وليس النفي لمطلق الخير، وهو أسلوب عربي، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، ولا يقصد بذلك نفي النسب عنه، وتقول: لست بولدي، ولا تريد من ذلك نفي النسب.

وقال : لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق، وهو مؤمن (١).

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: « .... فإن قال قائل: كيف يجوز أن يقال: ليس بمؤمن، واسم الإيمان غير زائل عنه؟


(١) رواه البخاري (٥٥٧٨)، ومسلم (٥٧) من طريق ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>