فيقول أهل النار: ما أغنى عنكم أنكم تعبدون الله ﷿، لا تشركون به شيئًا، فيقول الجبار ﷿: فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم، فيخرجون وقد امتحشوا، فيدخلون في نهر الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في غثاء السيل، ويكتب بين أعينهم هؤلاء عتقاء الله ﷿، فيذهب بهم، فيدخلون الجنة، فيقول لهم أهل الجنة: هؤلاء الجهنميون، فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاء الجبار ﷿(١).
فهؤلاء عتقاء الجبار، هم الذين قيل فيهم في حديث أبي سعيد الخدري:(لم يعملوا خيرًا قط).
وهم الذين قيل فيهم في حديث أبي هريرة:(فيعرفون بآثار السجود).
وهم الذين قيل فيهم في حديث أنس:(ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله ﷿، لا تشركون به شيئًا).
والذي يجمع هؤلاء أنهم لم يخرجوا بالشفاعة، وأن خروجهم بعد احتراقهم حتى صاروا حممًا، فيؤتَى بهم إلى نهر الحياة، فيصب عليهم، فينبتون كما تنبت الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْل.
فلا يمكن أن تفهم حديث أبي سعيد، وقوله:(لم يعملوا خيرًا قط) إلا إذا جمعت بينه وبين حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وصار معنى:(لم يعملوا خيرًا قط) هذا النفي أسلوب عربي لا يعني النفي المطلق لعمل الجوارح، كما سأبينه في وجه مستقل إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني:
أن من استدل بهذا الحديث على عدم كفر تارك الصلاة لا يأخذ بظاهر الحديث، فالحديث ظاهره بأن هؤلاء ليس فيهم خير البتة، لقوله: (لم يعملوا خيرًا
(١) أخرجه أحمد، وابن منده في الإيمان (٨٧٧)، والدارمي (٥٢)، والنسائي في الكبرى (٧٦٩٠)، وابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٧١٠) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (٢٦٨) من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، وهو حديث حسن. وقال ابن منده في الإيمان (٢/ ٨٤٧): «هذا حديث صحيح مشهور عن ابن الهاد».