قال ابن عبد البر:«حديث ابن بحينة ثابت بنقل الأئمة، وحديث المغيرة ضعيف الإسناد، ليس مثله بحجة»(١).
وقال أيضًا في التمهيد:«قال أحمد بن حنبل: سجود السهو على ما جاءت به الأخبار، إذا نهض من اثنتين سجدهما قبل السلام، على حديث ابن بحينة، قال ابن عبد البر: هذا يدلك على أن حديث ابن بحينة أصح عند أحمد بن حنبل -وهو إمام أهل الحديث- من حديث المغيرة بن شعبة»(٢).
ولو فرض أن حديث المغيرة صحيح بطرقه، فإنه لا يقوى على معارضة حديث ابن بحينة وقد رواه الإمام البخاري ومسلم والإمام مالك وأصحاب الأمهات، ولم يختلف على رواته، لا في إسناده ولا في لفظه، وله شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁ وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى، بخلاف حديث المغيرة، فقد تجنبه الشيخان البخاري ومسلم والنسائي، وفي أكثر طرقه اختلاف في لفظه وفي إسناده، فإذا تعارضت الأدلة قدم الأقوى منهما، إلا أن ثبوت حديث ابن بحينة لا يعني التسليم بثبوت دلالته كما يراه الشافعية، فالحديث لا يدل على وجوب سجدتي السهو قبل السلام إذا قام من اثنتين، فضلًا أن يدل على وجوب ذلك في عموم السهو، لما تقدم من أن الحديث من السنن الفعلية، والفعل لا يدل على الوجوب، ولما ثبت في الصحيحين وغيرهما من ثبوت السجود للسهو بعد السلام أيضًا، والله أعلم.
الجواب الرابع:
قالوا: يحتمل أن المراد بالسجود في حديث ابن بحينة سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، ويحتمل أن المراد بقوله:(قبل السلام) قبل السلام الثاني، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا (٣).
• ويجاب:
بأن رد الأحاديث المتفق على صحتها بالاحتمالات البعيدة لإبطال دلالة
(١) الاستذكار (١/ ٥١٧). (٢) التمهيد (١٠/ ٢٠٥). (٣) انظر: نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد (ص: ٥٢٣).