في نفسها ليست ردًّا للسلام، وإنما هي عوض عن الرد؛ لأن الواجب في رد التحية أن يكون بمثلها أو بأحسن منها، والإشارة ليست مثلها، ولا بأحسن منها، ولم يأت أمر من الشارع يأمر برد السلام في الصلاة، وإنما خفف الشارع شأنها لكونها حركة يسيرة في الصلاة، فكان الرد بالإشارة مترددًا بين الاستحباب والإباحة، فأخذنا بالمتيقن وهو الحكم بالإباحة.
وتفرد المالكية إلى القول بوجوب الرد بالإشارة في الصلاة اعتبارًا بالأصل، فإذا كان رد السلام واجبًا خارج الصلاة، ولم يترك النبي ﷺ الرد وهو في الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يأتي دليل صريح يستثني المصلي من وجوب الرد، وحيث لا يوجد دليل على التفريق بينهما في الحكم فالأصل أن حكمهما واحد.
ولأنه ثبت في السنة أن رد السلام من حقوق المسلم على أخيه،
(ح-٢٤٥٦) فقد روى الشيخان من طريق الزهري، عن ابن المسيب،
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام .... وذكر الحديث (١).
• دليل من قال: يكره رد السلام في الصلاة مطلقًا:
الدليل الأول:
سمى الله ﷾ الإشارة قولًا، بقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أي قولي ذلك بالإشارة، فلو كان المراد قول اللسان لأفسدت نذرها.
قال ابن كثير:«المراد بهذا القول الإِشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾»(٢).
وفهم القوم إشارة مريم، وأجابوها بقولهم: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩] فإطلاق القول على الإشارة، وكونهم فهموا منها ما تريده منهم، كل ذلك دليل على أن الإشارة كلام معنى.
(١) صحيح البخاري (١٢٤٠)، وصحيح مسلم (٤ - ٢١٦٢). (٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (٥/ ٢٢٥).