لي هكذا -فأومأ زهير أيضًا بيده نحو الأرض- وأنا أسمعه يقرأ، يومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك له؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي (١).
ففي هذا الحديث جمع النبي ﷺ بين الرد بالإشارة والاعتذار عن الرد بالكلام؛ لقوله:(لم يمنعني أن أكلمك)، فدل على أن الذي امتنع منه النبي ﷺ ليس مطلق الرد، وإنما هو الرد بالكلام نصًّا، والذي فعله هو الرد بالإشارة، فصح في هذا الحديث جواز ابتداء السلام على المصلي، ولو كان مكروهًا لنهى النبي ﷺ صحابته عن السلام عليه في الصلاة، وفيه أن العمل القليل في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم.
• وأجيب:
بأن قول جابر ﵁:(فأتيته وهو يصلي على بعير فكلمته) ليس نصًّا أنه سلم عليه، فقد يكون كلمه بالأمر الذي أرسله إليه، فأشار إليه بيده يريد أن يكفه عن الكلام، فلم يفهم ذلك جابر ﵁، فعاود جابر كلامه مرة أخرى، فأعاد النبي ﷺ إشارته إليه مرة أخرى، ولو كان المقصود من كلام جابر السلام لم يكرره؛ لأن السلام يشرع مرة واحدة، ومثله الرد، وإذا لم تكن الإشارة الثانية لرد السلام لم تكن الإشارة الأولى لرد السلام كذلك، والله أعلم.
• ويرد هذا الجواب:
لا يتوقع أن الصحابي يكلم النبي ﷺ، ثم لا يبدأ كلامه له بالسلام عليه، وهو أدب متوارث من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إذا قدم المسلم على أخيه أول ما يبدأ حديثه معه بالسلام عليه، وأحق الناس بهذا الأدب هم الصحابة ﵁ خاصة مع النبي ﷺ، فالسلام من جابر ﵁ على النبي ﷺ وإن لم يكن صريحًا في رواية زهير عن أبي الزبير إلا أنه لا يتوقع أن جابرًا ﵁ يكلم النبي ﷺ ويدع السلام عليه، فإما أن يحمل الكلام على السلام كما في الروايات الأخرى، أو على كلام مصدر بالسلام، وأما كون جابر ﵁ أعاد الكلام مرة ثانية، فربما الذي حمل جابرًا على إعادة السلام كونه كان يتوقع أن يسمع الرد