أن أنكرت ما رواه بعض الصحابة من كون الميت يعذب ببكاء أهله عليه، لفهم ظهر لها حيث قدرت أنه يعارض ظاهر القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وهي مأجورة على اجتهادها، وإن كانت لا تُوَافق على فهمها.
وكون بعض الأئمة لا يفرق بين المرور والقرار، والاعتراض ببعض البدن فذلك لا يقدح في صحة الرواية التي قضت بالتفريق.
ولأن عمدة من لم يفرق: إما الاحتجاج بفهم عائشة ﵂، وقد عملت ما فيه.
وإما نزعة لتحكيم اللغة وحدها في حقيقة شرعية، وذلك لا يكفي.
وأما من فرق بين الاعتراض والمرور فعمدته السماع؛ لأن النظر وحده قد لا يظهر للناظر فرق بينهما، فالاشتغال بالمار لا فرق فيه بين أن يكون المرور من وراء السترة أو بينها وبين المصلي، والحكم مختلف، ثم إنه لا اختصاص لنقص الخشوع بهذه الأشياء، بل ربما ينقص الخشوع بغيرها أكثر مما ينقص ببعضها، وإنما التسليم للنص، وسواء اهتدينا إلى الحكمة من التفريق أم لم نهتد فلا يصدُّ ذلك عن مقام العبودية بالتسليم والامتثال مع اتساع مساحة العذر في حق من اجتهد فأخطأ، ومن غضب لتخطئة أم المؤمنين أو لبعض الأئمة فهو دفاع عاطفي ظنًّا منه أن التفريق قائم على الفهم، وليس على التوقيف، والدفاع عن السنة المرفوعة والتي جاءت بالتفريق كان أولى بهم، والله أعلم.
• وأما مناقشة دعوى النسخ فمن وجوه:
الوجه الأول:
أن النسخ لا يصار إليه إلا بشرط العلم بالمتأخر، وتعذر الجمع والتاريخ هنا لم يعلم، والجمع لم يتعذر.
وإذا لم يعلم المتأخر، فقد يقال: لما لم يعكس: بأن يجعل حديث أبي ذر ناسخًا لحديث عائشة وابن عباس.
ودفع هذا العيني في عمدة القارئ، فقال:«للاحتراز عن كثرة النسخ؛ إذ نسخ حديث واحد أهون من نسخ ثلاثة»(١).