وهذا دفع ضعيف، فإن النسخ للحكم، وهو واحد، ولو تعددت أحاديثه.
الوجه الثاني:
«قال ابن حجر في الفتح: «لو ثبت أن حديثها -يعني: حديث عائشة- متأخر عن حديث أبي ذر لم يدل إلا على نسخ الاضطجاع فقط»(١).
الوجه الثالث:
يحق لنا أن نسأل في دعوى النسخ: أهو رافع لحكم المرور، فلا إثم على المار، أم رافع لحكم القطع، ويبقى المرور منهيًّا عنه؟
فإن قيل بالأول: وهو أن النسخ رافع لحكم المرور جملة، وأن المرور بين يدي المصلي وسترته مباح، فهذا قول لا أعلم قائلًا به، فالجمهور على تحريم المرور مطلقًا بين المصلي وموضع سجوده، وقيل: بتحريم المرور مع اتخاذ السترة، وهو الصحيح من مذهب الشافعية، واختار الغزالي من الشافعية كراهته (٢).
فالأصل أن حديث أبي جهيم محكم غير منسوخ، أعني حديث: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه، لكان أن يقف أربعين خيرًا له، من أن يمر بين يديه. متفق عليه (٣).
(١) فتح الباري (١/ ٥٩٠). (٢) فجاء في كتاب الأصل للشيباني (١/ ١٩٦): «قلت: فهل يجب على الرجل إذا صلى أن يدفع عن نفسه من يمر بين يديه؟ قال: نعم». وجاء في الهداية (١/ ٢٧٩): وإن مرت امرأة بين يدي المصلي لم تقطع صلاته … إلا أن المار آثم». وقال خليل في مختصره (ص: ٣٢): «وأثم مار له مندوحة». وقال النووي في المجموع (٣/ ٢٤٩): «إذا صلى إلى سترة حرم على غيره المرور بينه وبين السترة، ولا يحرم وراء السترة، وقال الغزالي: يكره، ولا يحرم، والصحيح بل الصواب أنه حرام … ». وقال في شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١١): «ويحرم مرور بينه أي بين المصلي وبين سترته، ولو كانت بعيدة». وانظر: العناية شرح الهداية (١/ ٤٠٥)، البحر الرائق (٢/ ١٦)، حاشية ابن عابدين (١/ ٦٣٤)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ٢٤٦)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٩)، مواهب الجليل (١/ ٥٣٤)، تحفة المحتاج (٢/ ١٥٩)، مغني المحتاج (١/ ٤٢٠)، تحرير الفتاوى (١/ ٢٩١)، منهاج الطالبين (ص: ٣٣)، شرح منتهى الإرادات (١/ ٢١١)، الكافي لابن قدامة (١/ ٣٠٤)، مطالب أولي النهى (١/ ٤٨٩). (٣) صحيح البخاري (٥١٠)، وصحيح مسلم (٢٦١ - ٥٠٧).