فقوله:(لأن الإمام سترة لهم) تعليل لجواز المرور، ومع كون الإمام سترة لهم، فلم يمنع من المرور بينهم وبين سترتهم (١).
كل ذلك جعل الزرقاني في شرحه لخليل يقول عن سترة الإمام سترة للمأموم بأنها سترة حكمية لا حسية (٢).
فتبين من هذا أن السترة للإمام والمنفرد، ولا سترة للمأموم، ولا يقطع المرور بين يديه مطلقًا على الصحيح، سواء أكان للإمام سترة أم صلى بدونها، وليس في النصوص ما يدل على أن المأموم مأمور بدفع المار إذا لم يتخذ إمامه سترة.
قال ابن عبد البر:«المأموم ليس عليه أن يدفع من يمر بين يديه؛ لأن ابن عباس قال: أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد»(٣).
وقيل: إن سترة الإمام سترة للمأموم في عدم الإبطال بالمرور، لا في إباحة المرور بين يدي المأموم، فإن المرور بين يديه ممنوع حتى لا يشغله، حكاه بعض الحنابلة (٤).
وحديث ابن عباس يدفع هذا القول، والتعليل بالاشتغال خلاف العلة المنصوصة بالأمر بالسترة، فهي لدفع الشيطان؛ حتى لا يقطع عليه صلاته، والاشتغال بدفع المار أكثر شغلًا من تركه يمر بين يديه، كما أن المرور بين يدي المصلي يشغله، ولو كان من وراء السترة.
(١) ومع أن العبارة صريحة للإمام مالك، بأن المرور لا يمنع في حق المأموم، إلا أن أصحابه استشكلوا عبارته، كيف يكون الإمام سترة للمأموم، ويجوز المرور بين المأموم وسترته. فقيل: إن الإمام سترة لمن يليه حسًّا، ولغيره حكمًا فقط، والممنوع فيه المرور هو الأول فقط. وهذا بعيد، فإن إطلاق جواز المرور من الإمام مالك لم يفرق فيه بين من يلي الإمام وغيره. وقيل: إن قولهم: الإمام سترة لهم على تقدير حذف مضاف، أي: سترة الإمام سترة لهم. انظر: التوضيح (٢/ ٣، ٤)، لوامع الدرر (٢/ ١١٤)، شرح الخرشي (١/ ٢٧٨). (٢) شرح الزرقاني على خليل (١/ ٣٦٧). (٣) التمهيد (٤/ ١٨٧). (٤) الإنصاف (٢/ ١٠٥)، المبدع (١/ ٤٣٩).