عنه الفقهاء بأنه تعبدي، وليس معنى كونه تعبديًّا أنه خالٍ من الحكمة، فالله ﷾ حكيم منزه عن العبث، ولا يشرع إلا ما فيه حكمة، ولا يفرق الشرع بين متماثلين، كما لا يجمع بين متفرقين، والمؤمن متبع للشرع أبدًا، وإذا بدا في الظاهر بعض التعارض بين العقل والشرع، كان العقل هو المتهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
الدليل الحادي عشر:
إجماع أهل العلم على أن المصلي إذا دخل في الصلاة كما أمره الله فإن صلاته على الصحة، ولا يجوز إبطالها إلا بنص لا معارض له، أو إجماع، فأما الأخبار في هذا الباب فظاهرها التعارض، ولم يجمع أهل العلم على إبطال صلاة من مر بين يديه امرأة، أو كلب أو حمار، والأصل بقاء الصلاة على الصحة، والله أعلم.
•ويناقش:
بأن هذا الدليل يؤول إلى أنه لا يحتج إلا بمسائل الإجماع، وهي قليلة، وأكثر الأدلة العملية والأقوال الفقهية هي مبنية على الظن، ومحل تجاذب بين الفقهاء في دلالتها، فإذا غلب على ظن المجتهد رجحان قول من هذه الأقوال فهذا الذي تعبدنا به، فالظن هو السبيل الشرعي عند تعذر اليقين، وهو مقصود للشارع حين جعل هذه المسألة من مسائل الخلاف، ولو أراد الله أن تكون هذه المسألة من مسائل القطع لكانت مشيئته (١).
(١) ما تعذر على العلماء معرفة المراد منه بالاجتهاد قد بُيِّن من خلال النصوص القطعية. فهناك مسائل تولى الله وحده بيانها في كتابه، كالمواريث، ودلالتها نصية. وهناك مسائل أحال في بيانها إلى السنة، فبينها الرسول ﷺ في أحاديث صريحة لا تحتمل، كعدد الركعات في الصلوات الخمس، وكمعرفة الأموال الزكوية من غيرها وأنصباء الزكاة ومقاديرها، وهذان القسمان يتعذر على المجتهد الوصول إلى مراد الله منها، فتولى الله بيانه أو رسوله ﷺ بما تقوم به الحجة على الناس. وهناك مسائل ترك الاجتهاد فيها للعلماء ليجتهدوا؛ لأن الوصول إلى مراد الله منها ممكن بالاجتهاد، وكانت دلالة النصوص فيها ليست قطعية لحكم إلهية، من أجل بذل الجهد والتعبد =