إذا صح أن الصلاة لا يصح ابتداؤها مع الحدث، ولا يصح المضي فيها مع الحدث، وهذا محل اتفاق، وصح أيضًا بلا خلاف أن الصلاة مما يبنى بعضها على بعض، لا يفرق بين أجزائها، فالسؤال: إذا أحدث، فخرج؛ ليطلب الطهور ويتوضأ إلى أن يعود إلى صلاته، أهو في صلاة، أم هو خارج الصلاة؟ ولا سبيل إلى افتراض ثالث.
فإن قالوا: هو في صلاة، ولهذا حرمنا عليه الكلام، ولو وقع منه نفس الحدث باختياره بطلت صلاته، ولهذا استحب له الإمام مالك أن يتكلم ليقطع صلاته، ويتعين الاستئناف.
فيقال لهم: ما هذه الصلاة التي يبطلها الكلام، ولا يبطلها الحدث؟ أيهما أبلغ في منافاة الصلاة: الكلام أم الحدث؟
فالطهارة شرط من شروط الصلاة، يلزم من عدمها عدم الصلاة، والكلام من محظورات الصلاة، وفعل المأمورات أشد من ترك المحظورات، فالإنسان لو تكلم ناسيًا في صلاته، أو جاهلًا صحت صلاته على الصحيح، ولو صلى بدون طهارة ناسيًا أو جاهلًا لم تصح منه الصلاة.
ومن أين لكم التفريق بين حدث وآخر، فحدث يبطل الطهارة، ولا يبطل الصلاة، وهو نفسه إذا وقع باختياره أبطلهما معًا؟ فما أبطل الطهارة أبطل الصلاة، أليس هذا مخالفًا لقول النبي ﷺ:(لا تقبل صلاة بغير طهور)، وإذا كان عمدة التفريق في الحدث: أن هذا متعمد، وهذا مغلوب، أرأيتم استدباره للقبلة متعمدًا، أليس هو بمنزلة من تكلم عامدًا، فلماذا لا يكون استدباره للقبلة مبطلًا للبناء كالكلام، فلماذا التفريق بين منافٍ وآخر، كل ذلك يدل على أن ما صلاه قبل الحدث قد انقطع بالحدث، ولهذا خرج منها؛ ليطلب الطهور.
وإن قالوا: هو ليس في صلاة؛ لوقوع الحدث، فما بين الحدث حتى يعود متطهرًا خارج عن الصلاة، ليس محسوبًا منها، فمشيه، وجلوسه وقيامه للوضوء أثناء طهارته، وانصرافه عن القبلة ليس معدودًا من صلاته، وإلا كانت زيادات