فهذه آثار الصحابة ﵃: ابن عباس، وعلي، وجابر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وعائشة، أيتصور أن تكون قراءة الفاتحة واجبة وجوبًا عامًّا على جميع المصلين في الصلاة السرية والجهرية، ثم يجهل هؤلاء مثل ذلك، وهم من الصحبة الملازمة لرسول الله ﷺ إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟ وهم معدودون من الطبقة الأولى في الفقه والفتوى، فواجبات الصلاة التي لا تصح إلا بها يصعب تصور أن مثل ذلك لا يدركه فقهاء الصحابة، وهل ذلك إلا اتهام لهم بالتقصير في معرفة ما يجب عليهم في صلاتهم، -وحاشاهم- أو قدح في معلمهم، ولقد كان المصطفى ﷺ كما وصفه القرآن ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فهو أحرص الناس على صحة صلاة أصحابه، وهي ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، وكل لفظ ورد عن هؤلاء مما يفهم منه القراءة خلف الإمام فإنه يحمل على الصلاة السرية دفعًا لتعارض أقوالهم، أو دعوى النسخ، والله أعلم.
• وأما الأدلة على أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية، فمنها:
الدليل الأول:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
قال الإمام أحمد:«أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة، وفي الخطبة»(١).
وقال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، قال: أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.
وقد قيل: في الخطبة، والصحيح أنها نزلت في ذلك كله (٢).
وقال ابن المنذر: «لولا أنهم اتفقوا على أن الآية إنما أنزلت في الصلاة أو
(١) فتح الباري لابن رجب (٨/ ٢٦٩) و (٨/ ٢٨٠). (٢) الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٥٥)، المستدرك على مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٨)، وقد نقلت في المجلد السابع الآثار عن السلف في معنى الآية عند الكلام على تحية المسجد والإمام يخطب، فارجع إليه إن شئت.