وسؤال آخر: هل يُظن أن تُعنى الشريعة بتحديد هذا مع خصوصه في الزمان والمكان والأشخاص ثم تدع بيان حد الإقامة مع عمومه لهذه الأحوال؟
الدليل الرابع:
أن وجوب الإتمام هو مقتضى الاحتياط للعبادة.
قال الأثرم:«قلت له -أي للإمام أحمد-: فلم لم يقصر على ما زاد من ذلك؟ قال: لأنهم اختلفوا فيأخذ بالأحوط فيتم»(١).
وقال ابن تيمية:«وأحمد أمر بالإتمام فيما زاد على الأربعة احتياطًا»(٢).
وقال أبو ثور:«لما أجمعوا على ما دون الأربع، أنه يقصر فيها، واختلفوا في الأربع فما فوقها، كان عليه أن يتم، وذلك أن فرض التمام لا يزول باختلاف»(٣).
وقال الإمام الشافعي:«أن يتم وله أن يقصر أحب إلينا من أن يقصر، وعليه أن يتم»(٤).
ويجاب:
إذا كان منزع الحكم بالإتمام هو الاحتياط، وليس ظهور الأدلة، فما فعل احتياطًا، لا يقال بوجوبه، ولا يحكم بفساد صلاة من قصر الصلاة إذا نوى الإقامة أكثر من أربعة أيام؛ لأن إبطال العبادات لا يجوز إلا بحجة بينة، والأصل صحة الصلاة.
وقولكم: أجمعوا أن المقيم يتم الصلاة، فنأخذ بما اجتمعوا عليه احتياطًا.
إنما أجمعوا على المقيم الذي لم يحدث سفرًا، ولم يجمعوا على المقيم في سفره، فالقول بأنه يلزمه الإتمام ليس أخذًا بما اجتمعوا عليه، بل هو أخذ بما اختلفوا فيه، وذلك أن القصر واجب عند الحنفية ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا.
أيضًا الفقهاء لم يجمعوا على ما دون الأربع، حتى قال ربيعة: من أقام يومًا وليلة أتم صلاته.
الدليل الخامس:
أن الحكمة من مشروعية القصر والفطر للمسافر تخفيف مشقة السفر، ومن
(١) المرجع السابق (٢٤/ ١٤١). (٢) مجموع الفتاوى (٢٤/ ١٤٠) (٣) التمهيد، ت: بشار (٧/ ٣٤٥). (٤) معرفة السنن والآثار (٤/ ٢٧٠).